موسيقى تولد من المأساة.. حدث فني في فلورنسا بآلات صنعت من قوارب الهجرة

موسيقى تولد من المأساة.. حدث فني في فلورنسا بآلات صنعت من قوارب الهجرة
آلة موسيقية غارقة- صورة تعبيرية

تستضيف مدينة فلورنسا الإيطالية حدثًا فنيًا استثنائيًا، يوم 14 ديسمبر الجاري، يمتزج فيه الإبداع الإنساني بآثار واحدة من أعقد المآسي المعاصرة، وهي مأساة الهجرة غير النظامية عبر البحر الأبيض المتوسط. 

وتحت أضواء مسرح "ماجيو ميوزيكالي فيورنتينو"، ينبعث صوت الموسيقى من آلات صُنعت من أخشاب قوارب مهاجرين تحطمت وغرقت في البحر، لتتحول بقايا الموت إلى نغمات حياة، بحسب ما ذكرت شبكة "مهاجر نيوز"، الأربعاء. 

وتعكس هذه الفعالية، التي تحمل في جوهرها رسالة رمزية عميقة، قدرة الفن على إعادة تشكيل الألم وتحويله إلى أمل وخلاص، ليس فقط للمهاجرين الغارقين في المجهول، بل أيضًا لصانعي هذه الآلات من السجناء الذين وجدوا في الخشب والمسمار والوتر فرصة لإعادة اكتشاف ذواتهم.

وتكتسب أهمية هذا الحدث بعدًا إنسانيًا مضاعفًا، بالنظر إلى أن البحر المتوسط تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مقبرة مفتوحة لآلاف الفارين من الحروب والفقر والاضطهاد، فيما ظلت صور القوارب الغارقة والجثث العائمة محفورة في الذاكرة الأوروبية والعالمية. 

وفي هذا المشهد القاتم، يأتي هذا الحفل ليقول إن الإنسان قادر، رغم كل شيء، على استخراج الجمال من الحطام، وبعث معنى جديد من بين الركام.

الفن خلف القضبان

يتولى، بحسب ما أوضحته الجهة المشرفة على المشروع، مسرح "ماجيو ميوزيكالي فيورنتينو" تقديم هذا العرض الذي يحمل عنوان "أوركسترا البحر"، بمشاركة مجموعة من أبرز العازفين العالميين، في مقدمتهم عازف التشيلو الشهير ماريو برونيلو وعازف الكمان العالمي سيرجي كريلوف، إلى جانب موسيقيي أوركسترا الشباب الإيطالية التابعة لمدرسة فييزولي للموسيقى. 

ويمنح حضور هؤلاء الفنانين المبادرة بُعدًا عالميًا، يُعبّر عن تضامن ثقافي يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.

ويجري العزف على آلات موسيقية فريدة جرى تصنيعها داخل سجن ميلانو– أوبرا، على أيدي معتقلين تم تدريبهم ضمن مشروع "التحول" الذي ترعاه مؤسسة "بيت الروح والفنون". 

ويهدف المشروع، في أحد أبعاده الأساسية، إلى إعادة تأهيل السجناء وإدماجهم في المجتمع عبر الفن والحِرَف الراقية، بدل أن يبقوا أسرى للوصم الاجتماعي والعزلة. 

ويجد هؤلاء المعتقلون في صناعة آلة كمان أو تشيلو فرصة لترميم ذواتهم قبل ترميم قطعة خشب كانت يومًا شاهدة على رحلة موت في عرض البحر.

ولا يقتصر البعد الرمزي على تحويل القارب إلى آلة، بل يمتد ليشمل تحويل معنى الجريمة والعقاب إلى فرصة إصلاح، في نموذج إنساني يُعيد تعريف مفهوم العدالة بعيدًا عن الانتقام، ويركّز بدلًا من ذلك على الشفاء وإعادة البناء.

نغمات بأسماء الغرقى

يتضمن البرنامج الموسيقي مقطوعات خالدة لكبار المؤلفين العالميين، من بينها كونشرتو الكمان المزدوج ليوهان سيباستيان باخ، وقطعة "كامبانيلا" لنيكولو باغانيني، و"آديوس نونينو" لأستور بيازولا، إضافة إلى عمل حديث يحمل عنوان "تشيلو فيبريز!" للمؤلف الإيطالي المعاصر جيوفاني سوليما. 

وتحمل هذه الأعمال، بتنوع مدارسها وأزمنتها، شحنة عاطفية كبيرة تلامس الذاكرة والوجدان، خصوصًا حين تُعزف على آلات وُلدت من مأساة حقيقية.

ويأتي تنظيم الحفل بعد أن تم عرضه سابقًا في مسرح "لا سكالا" الشهير بمدينة ميلانو، لينتقل اليوم إلى فلورنسا بدعم من مؤسسة "سي أر فيرينزي"، التي أعلنت التزامها بمواصلة رعاية المشروع، ونشر رسالته في مدن إيطالية أخرى. وتُخصص عوائد الحفل لدعم ورش صناعة الآلات الموسيقية داخل سجون أوبرا في ميلانو، وسيكونديليانو في نابولي، وريبيبيا في روما، ومونزا، بما يضمن استمرارية المشروع واتساع أثره الإنساني.

وفي بُعدٍ روحي لا يقل أهمية، تُستخدم أخشاب القوارب نفسها في صناعة أغراض دينية مثل المسابح (الورديات)، في محاولة لإعادة القداسة إلى ما لوّثه الموت والغرق واليأس.

رسالة من خلف الأسوار

يتسلم، خلال الأمسية، كل من برونيلو وكريلوف هدية رمزية من المعتقلين تتمثل في آلة تشيلو وآلة كمان من صنعهم، ليُعلَنا رسميًا "سفيرين" لهذه المبادرة الإنسانية. 

وتؤكد هذه اللحظة أن الخيط الذي يربط بين السجين والموسيقي والمتفرج هو خيط إنساني مشترك، قادر على تجاوز وصمة الجريمة والخوف والغربة.

ويؤكد رئيس مؤسسة "سي أر فيرينزي"، المسؤول الثقافي والإنساني برنابو بوكا، أن دعم "أوركسترا البحر" يمثل قناعة عميقة بأهمية المشاريع التي تجمع بين الفن والمشاركة المجتمعية ورسالة الخلاص، موضحًا أن مؤسسته اختارت الوقوف إلى جانب مشروع "التحول" لأنه يعكس صورة مجتمع لا يُدير ظهره لأفراده، بل يمنحهم فرصة جديدة للحياة.

ويُختتم هذا المشهد بتأكيد واضح على أن الموسيقى، حين تُصنع من بقايا المآسي، تصبح أكثر من مجرد فن، إذ تتحول إلى شهادة حيّة على قدرة الإنسان على النجاة.. وإعادة الحلم إلى الحياة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية