ناجية من السويداء تحكي لـ"جسور بوست": لأننا دروز صرنا أهدافاً سهلة في سوريا الجديدة
ناجية من السويداء تحكي لـ"جسور بوست": لأننا دروز صرنا أهدافاً سهلة في سوريا الجديدة
"لم نكن نعرف أن كوننا دروزًا يجعلنا هدفًا سهلًا".. بهذه العبارة تختصر فريدة (اسم مستعار) مأساتها الأخيرة في السويداء، جنوبي سوريا، إذ كانت تعيش مع عائلتها على أمل أن تحمل سنواتها المقبلة بارقة تفاؤل بعد أن أذاقهم نظام بشار الأسد الذل والهوان، إلا أن الواقع جاء عكس كل التوقعات والتطلعات.
وفي 22 يوليو الماضي، تحوّلت حياة فريدة إلى كابوس مخيف، حيث كانت داخل منزلها عندما اخترقت رصاصات "سوريا الجديدة" جسدها، بينما تحولت فجأة إلى شاهدة عيان على مذبحة حقيقية جرت أمام عينيها، فقدت فيها اثنتين من بنات أختها، وطفل إحداهن، وابن أختها، بينما كانت تتلقى هي نفسها رصاصة في جسدها الهزيل.
تقول فريدة بصوت مرتجف لـ"جسور بوست": "كنا نشوف هيك مشاهد بالتلفزيون، بس هالمرة شُفناها على أرض الواقع.. فاتوا متل البربر من جهة درعا بالدبابات وقذائف الهاون".
ولم تحقق السلطات، التي كان السوريون يظنون أنها جاءت لإنهاء سنوات الانتهاكات، في ما جرى بحق الدروز حتى اللحظة، فيما لم يعد لفريدة شيئاً سوى انتظار سقوط النظام الجديد كما سقط سابقه.
وبحسب المحامي والناشط الحقوقي السوري أنس جودة، فإن ما جرى في السويداء ليس حادثة فردية أو خطأ عابر، بل جزءاً من انتهاك ممنهج تمارسه السلطة الجديدة بمنطق الغلبة والانتقام.
كارثة اجتماعية وإنسانية
ووثق تقرير لـ"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" مقتل 558 شخصًا خلال أسبوع واحد فقط في السويداء، بينهم نساء وأطفال وطواقم طبية، إضافة إلى 1698 جريحًا، منهم أكثر من 400 إصابة حرجة.
ورغم أن السويداء بقيت لسنوات بمنأى عن الصراع، فإن ما يحدث الآن يُنذر بكارثة اجتماعية وإنسانية، قد لا تقف حدودها عند هذه المحافظة، إذ نزح حتى الآن نحو 176 ألف شخص إلى مناطق تعاني أصلًا من هشاشة وخدمات شبه معدومة، مثل ريف دمشق ودرعا، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
وفريدة، التي فرت مع من تبقى من أسرتها إلى قريتها الأصلية "ملح" قرب الحدود الأردنية، لا تنسى تفاصيل رحلة الهروب، إذ تقول: "كنا عشرة أشخاص بالسيارة، وفي الطريق قنصوا السائق، وظلت السيارة ماشية لحالها، وضربت بحائط مطعم وهم ما وقفوا الضرب.. ماتوا أربعة، وأنا أصيبت"، تقول وهي تلمس جرحها المغطى بشاش أبيض.
في عيني فريدة خيبة ثقيلة: "كنا نحلم بسوريا جديدة.. بس كل شي ضاع.. لأنو ببساطة نحنا دروز، وصرنا كفار بعين السلطة القائمة، نحروا الرجال، وحلقوا شوارب الشباب، وأحرقوا البيوت، وأعدموا ناس بالشوارع".
تتوقف فريدة لحظة، ثم تهمس بحسرة: "نحنا ما كنا نحكي بالدين، نحنا بالسويداء شعب مسالم، ووقت الأزمة في عام 2012 استقبلنا ناس من كل المحافظات، وعاملناهم بمحبة ومودة.. ليش هيك عملوا فينا؟".
ورغم مرارة الحادثة، تصر فريدة على أن الحق لن يضيع: "لسا ما في تحقيق، بس إن شاء الله رح نأخذ حقنا.. والجولاني كمان رح يروح متل ما راح الأسد".
جراح سوريا الغائرة
بين أنقاض المنازل المحترقة في السويداء، وأسطح المنازل التي تحولت إلى منصات إعدام، لا تزال صرخات الضحايا تصدح في الأفق وداخل وجدان وضمير كل سوري يرى في ما يحدث حلقة جديدة من مسلسل القمع الدموي ولكن بوجوه مختلفة.
وفي أحد المستشفيات الميدانية، يستعرض المحامي والحقوقي السوري أنس جودة، والذي بدا على صوته الإنهاك، قائمة أسماء طويلة لضحايا الأيام الأخيرة، قائلا بمرارة: "ما نشهده في السويداء اليوم ليس عنفًا عابرًا، بل جريمة مكتملة الأركان، حيث تحويل أسطح المنازل إلى أماكن للإعدام، والاعتداء على الشيوخ، وإطلاق النار على مدنيين عزل... ليس هناك مبرر سياسي أو عسكري على هذا السقوط الأخلاقي".
ويتابع جودة: "ما يجري ليس حوادث فردية، بل انتهاكا مؤسسيا ممنهجا، هناك من يريد إعادة تدوير أدوات القمع نفسها التي عانى منها السوريون لعقود، فقط بلباس جديد ورايات مغايرة، نحن الآن أمام عنف منظم، يزداد اليوم بالحصار الجماعي ومنع دخول الغذاء والدواء".
غير أن القصة لا تنتهي عند حدود القتل، بالنسبة لجودة، فإن ما بعد الجريمة هو الأخطر: "التحدي اليوم ليس فقط في محاسبة الجناة، بل في منع تكرار هذه المذابح عبر إعادة تعريف السلطة ذاتها، سوريا لا تحتاج فقط إلى تغيير الوجوه، بل إلى عقد اجتماعي جديد، وسلطة انتقالية تشاركية حقيقية، تُنهي دوامة الصراع والانتقام والفوضوي".
وبعبارة حازمة: "لا عدالة بلا سياسة، ولا أمن بلا شراكة، ولا سوريا جديدة بدون تفكيك منطق الهيمنة والغلبة والغنيمة، فالعدالة الانتقالية لا تعني فقط القصاص، بل البدء من الصفر لبناء وطن يحمي الجميع، لا فئة على حساب فئة".
نسخة جديدة متشددة
أما الناشط السوري في قضايا المجتمع المدني، رواد بلان، فيقول وهو يتحدث من قرية في ريف درعا (جنوب) إن ما شاهده في الأيام الأخيرة يفوق الوصف، فقد استقبلت القرية موجة من النازحين من السويداء بعد أن طالتهم المجازر والحرائق.
ويضيف بنبرة حزينة لـ"جسور بوست": "الناس هنا ما زالوا في صدمة، هناك إعدامات ميدانية، حرق قرى بأكملها، نهب منهجي، وتمثيل بجثث الضحايا، ونحن في تلك المشاهد المأساوية لا نتحدث عن داعش في 2015، بل عن سلطات تقول إنها تمثل سوريا الجديدة".
يتابع: "فالاستهداف كان طائفياً بامتياز، إحراق صور رموز من تاريخ السويداء، والنيل من الدروز، والتضييق عليهم حتى في شراء الدواء والطعام.. نحن أمام تطهير عرقي ببطء، دون أن يحرك أحد ساكنا"، يشير بلان إلى أن الهجمات هدفت أيضًا إلى تمزيق الروابط الاجتماعية بين السوريين.
ويرى أن "هناك محاولات متعمدة لقطع العلاقات الإنسانية بين الدروز وباقي السوريين، آلاف العائلات نازحة الآن، محرومة من المساعدات بشكل متعمد، كأن هناك من يريدهم أن يختفوا، والسكوت على هذه الجرائم جريمة بحد ذاتها، فالذاكرة الشعبية لن تنسى والجرائم الطائفية لا تسقط بالتقادم، وستبقى محفورة في وجدان من نجا، لن تُنسى وقائع مثل إلقاء الناس من أسطح المنازل أو نحرهم في الشوارع".
ويختتم حديثه بعبارة ثقيلة، قائلا: "هذه ليست سوريا الجديدة.. بل إمارة متشددة بوجه رسمي، لا دولة يمكن أن تُبنى على رماد الأحياء والدماء الطازجة، ولا سلطة تصلح للحكم إذا كانت أول أدواتها الحقد والسلاح والانتقام".
لم تعد قصة السويداء اليوم مجرد مأساة محلية، بل هي انعكاس لحالة وطنية أعمق، فأمام جثث المدنيين، وصمت المجتمع الدولي، وتواطؤ القوى الجديدة، يقف السوريون مجددًا عند السؤال الأهم: "من يحكم؟"، ولعل الإجابة الوحيدة التي تتردد على ألسنة الناجين، أن العدالة وحدها لا تكفي ما لم يسبقها نزع السلاح من يد السلطة، والانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الدولة.











