وسط تحذيرات صحية.. الخطاب المعادي للسوريين بألمانيا يهدد بانهيار الكوادر الطبية
وسط تحذيرات صحية.. الخطاب المعادي للسوريين بألمانيا يهدد بانهيار الكوادر الطبية
حذّرت جمعيات وهيئات صحية في ألمانيا من أن تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي المعادي للاجئين السوريين قد يؤدي إلى تفاقم النقص الحاد في الكوادر الطبية داخل المستشفيات والعيادات ودور الرعاية، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من أزمة متزايدة في قطاع الصحة، وفق ما أوردته صحيفة فاينانشيال تايمز.
وأكدت الجمعية الطبية الألمانية أن الأطباء السوريين يشكلون أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب العاملين في البلاد، إذ يمثلون نحو 16% من إجمالي الأطباء الأجانب، بحسب ما ذكرت صحيفة "الفاينانشال تايمز"، اليوم الاثنين.
وحذّرت الجمعية الألمانية من أن أي موجة مغادرة أو ترحيل واسعة ستؤدي إلى “اختناقات حادة” في تقديم الخدمات الصحية، لا سيما في المناطق الريفية والعيادات الصغيرة.
مستقبل مئات الآلاف
أثار سقوط الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024 جدلاً سياسياً واسعاً في ألمانيا حول مستقبل نحو 972 ألف سوري يقيمون في البلاد، بينهم أكثر من 700 ألف يحملون صفة لاجئ.
وفي هذا السياق، صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس في نوفمبر الماضي بأنه “لا توجد أسباب” لاستمرار منح اللجوء للسوريين، معتبراً أن الحرب الأهلية انتهت، ومعبّراً عن أمله في عودة أعداد كبيرة منهم طوعاً للمساهمة في إعادة الإعمار، دون أن يستبعد خيار الترحيل.
هذه التصريحات جاءت في ظل ضغوط متزايدة من حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، الذي حقق نتيجة قياسية بحصوله على 21% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 2025، مستفيداً من الخطاب المناهض للهجرة.
هجرة الأطباء تتسارع
بحسب بيانات الجمعية الطبية الألمانية، غادر 2197 طبيباً ألمانيا خلال العام قبل الماضي 2024، كان 41% منهم من غير الحاملين للجنسية الألمانية.
ويحذّر خبراء من أن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي إلى فجوة خطيرة في قطاع الرعاية الصحية، الذي يحتاج إلى ما لا يقل عن 280 ألف موظف إضافي بحلول عام 2049.
وقالت إيزابيل هاليتز، المديرة التنفيذية لرابطة أصحاب العمل في مجال التمريض، إن فقدان العاملين السوريين “سيكون ضربة قوية لتأمين العمالة الماهرة في المستقبل”، محذّرة من أن شيخوخة السكان ستجعل الكثير من المرضى “من دون رعاية أو مع فترات انتظار تمتد لأسابيع أو شهور”.
مساهمة في المجتمع
وتشير تقديرات المعهد الاقتصادي الألماني في كولونيا إلى أن أكثر من 80 ألف سوري يعملون في قطاعات تعاني نقصاً حاداً في الكوادر، من بينها الصحة والرعاية والخدمات.
ويعمل نحو 300 ألف سوري حالياً في سوق العمل، فيما انخفضت نسبة من يتلقون مساعدات اجتماعية من أكثر من 80% عام 2018 إلى نحو 55% في 2024.
وأكدت كبيرة الاقتصاديين في المعهد، ليديا مالين، أن مساهمة السوريين “حاسمة” لمواجهة التحديات الديموغرافية، مشيرة إلى أن نحو ثلث مليون طفل سوري يتلقون تعليمهم في المدارس الألمانية، ويمثلون رصيداً بشرياً تحتاج إليه البلاد خلال العقدين المقبلين.
مخاوف من نزوح الكفاءات
في ظل هذا المناخ المثير لقلق اللاجئين، بدأ بعض السوريين من أصحاب الكفاءات العالية التفكير في مغادرة ألمانيا.
وقالت الطبيبة العامة لينا البرازي، التي فرّت من دمشق عام 2014 وتحمل الجنسية الألمانية، إنها قد تفكر في الرحيل إذا تفاقم الخطاب العدائي، مضيفة: “لا أريد لابنتي التي وُلدت هنا أن تواجه التمييز في المدرسة”.
من جهته، قال زكريا حووط، رئيس الجمعية الطبية السورية الألمانية، إن الأطباء السوريين “يحاولون جعل ألمانيا أفضل”، لكنه حذّر من أن استمرار الضغوط السياسية قد يدفعهم إلى توجيه خبراتهم نحو دول أخرى.
معضلة سياسية وإنسانية
يرى خبراء قانونيون أن ترحيل معظم السوريين ليس سهلاً من الناحية القانونية، إذ يحمل نحو 88% منهم تصاريح إقامة إنسانية.
وأكد توماس أوبرهاوزر، رئيس لجنة قانون الهجرة في نقابة المحامين الألمان، أن المطالبة بمغادرة من اندمجوا في المجتمع “غير منطقية” من زاوية الاندماج والسياسة العامة.
وبينما خفّف ميرتس لاحقاً من لهجته مؤكداً أن ألمانيا “بحاجة للهجرة في قطاع الطب والتمريض”، يبقى الجدل مفتوحاً، وسط تحذيرات متزايدة من أن خسارة الكفاءات السورية قد تتحول من شعار سياسي إلى أزمة صحية وإنسانية تمس المجتمع الألماني بأسره.










