رهان ترامب الخاسر.. قراءة حقوقية في انسحاب واشنطن من 66 هيئة عالمية

رهان ترامب الخاسر.. قراءة حقوقية في انسحاب واشنطن من 66 هيئة عالمية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أرشيف

وقع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يوم الأربعاء، أمراً تنفيذياً يقضي بتعليق الدعم الأمريكي لـ 66 منظمة ووكالة ولجنة دولية، في خطوة وصفتها تقارير صحيفة "الغارديان" بأنها تعزز تراجع الولايات المتحدة عن التعاون الدولي وتكرس سياسة الانكفاء عن المشهد العالمي.

جاء هذا القرار بناءً على تعليمات رئاسية مباشرة لإدارته بمراجعة مشاركة وتمويل جميع المنظمات الدولية، ومنها تلك التابعة للأمم المتحدة، وفقاً لبيان صادر عن البيت الأبيض على مواقع التواصل الاجتماعي.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن المذكرة الرئاسية التي وقعها ترامب تنهي عضوية واشنطن في معاهدات دولية أساسية مضى على سريان بعضها 34 عاماً، وتضم في عضويتها جميع دول العالم تقريباً، بذريعة أنها "لم تعد تخدم المصالح الأمريكية".

وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان رسمي، أن إدارة ترامب وجدت هذه المؤسسات "زائدة عن الحاجة في نطاق عملها، وتفتقر إلى الإدارة الفعّالة، وغير ضرورية، ومُهدرة للموارد، وسيئة الإدارة".

وأضاف بيان وزارة الخارجية أن هذه الهيئات باتت خاضعة لمصالح جهات تسعى لتحقيق أجندات خاصة تتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية، أو تُشكّل تهديداً مباشراً لسيادة الأمة وحرياتها وازدهارها العام.

وصرح وزير الخارجية، ماركو روبيو، في بيان أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، أن ما بدأ بوصفه إطار عمل عملياً للمنظمات الدولية من أجل السلام والتعاون قد تحوّل بمرور الوقت إلى "بنية مترامية الأطراف للحوكمة العالمية"، مؤكداً أنها هيئات تهيمن عليها الأيديولوجية التقدمية وتنفصل بشكل كامل عن المصالح الوطنية للدول.

صنفت إدارة الرئيس، دونالد ترامب، معظم المنظمات التي شملها قرار الانسحاب بأنها وكالات ولجان وهيئات استشارية تابعة للأمم المتحدة تُعنى بالمناخ والعمل وقضايا أخرى مرتبطة بما أسمته مبادرات "التنوع والوعي الاجتماعي".

وأوضحت صحيفة "الغارديان" أن هذا الانسحاب يأتي في توقيت حساس، تزامناً مع شن الإدارة لعمليات عسكرية أو إطلاق تهديدات أثارت قلق الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء، ومنها الإشارة إلى نية السيطرة على غرينلاند واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

كما لفتت الصحيفة إلى أن الإدارة كانت قد علّقت سابقاً دعمها لوكالات دولية كبرى مثل منظمة الصحة العالمية، ووكالة (الأونروا)، ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمة اليونسكو، وذلك ضمن نهج انتقائي يركز فقط على الوكالات المتوافقة مع أجندة ترامب السياسية.

تقويض الحقوق البيئية والصحية

يُعد الانسحاب من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) التي أُبرمت عام 1992، أحدث مساعي ترامب وحلفائه لإبعاد الولايات المتحدة عن المنظمات الدولية المعنية بالتصدي للتغير المناخي.

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن هذه المعاهدة صادق عليها مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع في عهد سابق، وهي تُشكل الأساس القانوني لاتفاقية باريس التاريخية للمناخ التي تهدف للحفاظ على درجات الحرارة العالمية عند مستويات آمنة.

وذكرت الصحيفة أن الإدارة سحبت عضوية واشنطن أيضاً من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التي تُعد أعلى هيئة علمية في هذا المجال، فضلاً عن الرابطة الدولية للطاقة المتجددة، والتحالف الدولي للطاقة الشمسية، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، ما يرسخ عزلة أمريكا عن جهود مكافحة حرائق الغابات والعواصف والجفاف التي تهدد الإمدادات الغذائية العالمية.

وحذر عالم المناخ بجامعة ستانفورد ورئيس مشروع الكربون العالمي، روب جاكسون، في تصريحات لـ"الغارديان"، من أن انسحاب الولايات المتحدة "يُعطي الدول الأخرى ذريعةً لتأجيل إجراءاتها والتزاماتها"، مؤكداً أنه سيكون من الصعب تحقيق تقدم ملموس دون تعاون واشنطن بوصفها إحدى أكبر الدول المُصدرة للانبعاثات وأكبر الاقتصادات في العالم.

وفي سياق متصل، وصفت مستشارة البيت الأبيض لشؤون المناخ خلال إدارة بايدن، جينا مكارثي، القرار بأنه "قصير النظر ومُحرج وأحمق"، مؤكدة أن إدارة ترامب تتخلى عن عقود من التعاون العالمي وقدرة البلاد على التأثير في استثمارات وسياسات بمليارات الدولارات كانت ستحمي الاقتصاد الأمريكي من كوارث مُكلفة تُلحق أضراراً جسيمة بالبلاد.

استهدف القرار الرئاسي أيضاً وكالة الأمم المتحدة للسكان التي تُعنى بالصحة الجنسية والإنجابية في جميع أنحاء العالم، وهي الوكالة التي طالما كانت هدفاً لانتقادات الجمهوريين.

واتهم الرئيس، دونالد ترامب، الوكالة بالمشاركة في "ممارسات إجهاض قسري" في دول مثل الصين، وقام بتقليص تمويلها خلال ولايته الأولى، ورغم إعادته في عهد بايدن، فإن مراجعة وزارة الخارجية في العام التالي لم تجد أي دليل يدعم هذه الادعاءات. 

وقالت أستاذة القانون الدولي في كلية كاري للحقوق بجامعة بنسلفانيا، جين غالبريث، لصحيفة "نيويورك تايمز"، إن هذه الانسحابات ترسل رسالة قوية للعالم تُظهر استخفاف الولايات المتحدة بسياسات المناخ والتعاون الدولي الضروري، مشيرة إلى أن ترامب اتخذ بالفعل خطوات لترسيم الانسحاب من اتفاقية باريس ليصبح رسمياً في 20 يناير.

إغلاق المشاريع الإنسانية

أشارت العديد من المنظمات غير الحكومية المستقلة، إلى إغلاق العديد من المشاريع الحيوية نتيجة لقرار الإدارة الأمريكية السابق بخفض المساعدات الخارجية المقدمة عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).

وتوسعت قائمة الانسحاب الأمريكية لتشمل منظمات وهيئات دولية متنوعة مثل اللجنة الاستشارية الدولية للقطن، والمنظمة الدولية للأخشاب الاستوائية، وشراكة التعاون الأطلسي، والمجموعة الدولية لدراسة الرصاص والزنك.

كما تضمنت القائمة، وفقاً للبيانات الرسمية، معهد عموم أمريكا للجغرافيا والتاريخ، والاتحاد الدولي لمجالس الفنون والوكالات الثقافية، بالإضافة إلى جامعة الأمم المتحدة واتفاقية الطاقة الخالية من الكربون، ما يهدد بتعطيل شبكات التعاون العلمي والثقافي والتقني على مستوى العالم.

وقال كبير محللي الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، دانيال فورتي، إن ما يشهده العالم اليوم هو تبلور للنهج الأمريكي تجاه التعددية القائم على مبدأ "إما طريقي أو لا شيء"، واصفاً إياها برؤية واضحة لرغبة واشنطن في التعاون الدولي وفق شروطها الخاصة فقط.

وذكر المبعوث الأمريكي العالمي لشؤون المناخ خلال إدارة بايدن، جون كيري، في تصريح لصحيفة "نيويورك تايمز"، أن هذا الانسحاب سيكون بمنزلة "هدية للصين وفرصة سانحة للملوثين الذين يرغبون في التهرب من المسؤولية"، خاصة في وقت باتت فيه الصين تُهيمن على تقنيات الطاقة النظيفة المستقبلية وتسعى لملء الفراغ الذي يتركه التراجع الأمريكي عن الساحة الدولية.

وأكد المسؤولون الأمريكيون، ومنهم الرئيس دونالد ترامب، أنهم يدركون إمكانات الأمم المتحدة لكنهم يرغبون بدلاً من ذلك في توجيه أموال دافعي الضرائب نحو المبادرات التي تضع المعايير الدولية وتُعزز النفوذ الأمريكي المباشر، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات والمنظمة البحرية الدولية ومنظمة العمل الدولية، حيث تشتد المنافسة مع الصين.

يذكر أن الانسحاب من المعاهدة الأساسية سيستغرق عاماً كاملاً ليصبح ساري المفعول بعد تقديم الإشعار الرسمي للأمم المتحدة، وأوضحت الصحيفة أن السلطة القانونية للرئيس في الانسحاب من معاهدة صادق عليها مجلس الشيوخ تظل موضع شك فقهاء القانون ولم تُصدر المحكمة العليا حكماً نهائياً فيها، وأفادت وزارة الخارجية في ختام بيانها بأن مراجعات إضافية لا تزال جارية، وهو ما يشير إلى أن قائمة الانسحابات قد تتوسع لتشمل منظمات دولية أخرى في المستقبل القريب.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية