تقرير أممي يعري فجوة التنفيذ.. من يحمي حق الإنسان في بيئة صحية؟

تقرير أممي يعري فجوة التنفيذ.. من يحمي حق الإنسان في بيئة صحية؟
مجلس حقوق الإنسان - أرشيف

على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين، عُرض تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بشأن دور المنظمات الإقليمية لحقوق الإنسان في تعزيز الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة. 

التقرير، الصادر في 17 صفحة، يستند إلى أعمال حلقة نقاش عُقدت في جنيف أواخر سبتمبر 2025 لتقييم ما تحقق منذ 2022، ورصد ما لا يزال عالقًا بين تعهدات طموحة وتوصيات غير ملزمة.

وشهدت الحلقة مشاركة واسعة لآليات إقليمية وقضائية، بينها المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إلى جانب مجلس أوروبا وهيئات إقليمية آسيوية وعربية وإفريقية، وخبراء أمميين ومؤسسات وطنية ومنظمات مجتمع مدني، وكان السؤال المحوري: كيف يتحول الاعتراف العالمي بالحق إلى إنفاذ فعلي وجبر ضرر؟

اعتراف عالمي وفجوة تنفيذ

أقر الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة رسميا من قبل مجلس حقوق الإنسان عام 2021 والجمعية العامة عام 2022، وتعزز هذا الاعتراف بفتوى محكمة العدل الدولية في يوليو 2025 بشأن التزامات الدول حيال تغير المناخ، التي أكدت مركزية هذا الحق لتمتع الإنسان بسائر حقوقه، كما أدرج في أطر إقليمية ونظم وطنية لدى غالبية الدول.

غير أن التقرير يلفت إلى عقبات بنيوية تعرقل الإعمال، حيث نماذج اقتصادية غير مستدامة، وأزمة كوكبية ثلاثية (المناخ، والتنوع البيولوجي، والتلوث)، وإضعاف القوانين والمؤسسات البيئية، وتأثير الشركات، وتصاعد الاعتداءات على المدافعين عن البيئة. 

ودعا المشاركون إلى إعطاء أولوية للحوكمة البيئية وسيادة القانون، بدل الاكتفاء بصياغة قواعد جديدة دون تنفيذ الالتزامات القائمة.

أحكام رائدة وامتثال محدود

واستعرضت المحاكم الإقليمية سوابق قضائية جسدت مقاربة قائمة على الترابط بين الحق في البيئة وحقوق الحياة والصحة والكرامة، فقد طبقت المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الميثاق الإفريقي والاتفاقية الإفريقية لحفظ الطبيعة في قضية تتعلق بتفريغ نفايات سامة في أبيدجان، مؤكدة الحق في بيئة مُرضية، إلا أن تحديات الامتثال وتقييد الولوج الفردي إلى المحكمة ما تزال قائمة.

وأرست محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية عام 2023 ضد بيرو مقاربة شاملة لجبر الضرر، فأمرت بخطة تعويض بيئي وطنية وإصلاحات هيكلية لقطاع التعدين، لكن تنفيذ الحكم ظل جزئيا، ما يبرز فجوة بين القضاء والواقع.

وتناولت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الأضرار البيئية في مئات الأحكام، مؤكدة التزامات الدول الإيجابية بحماية الأفراد من المخاطر البيئية الجسيمة، ويبحث مجلس أوروبا إمكان اعتماد صك قانوني جديد يُكرس الحق صراحة، في خطوة قد تعزز الاتساق المعياري.

الأطفال والانتقال العادل

وشدد خبراء إقليميون على أن حماية البيئة جزء لا يتجزأ من مصلحة الطفل الفضلى، داعين إلى إدماج حقوق الطفل في قوانين المناخ والتأهب للكوارث. 

وبرز مفهوم "الانتقال العادل" إلى اقتصادات مستدامة، بما يضمن إدماج الفئات الأكثر عرضة للتهميش -الأطفال، والشعوب الأصلية، والنساء- إدماجا فعالا، مقرونا بالعمل اللائق والحماية الاجتماعية والمشاركة الهادفة.

وسلطت المناقشات الضوء على تقلص الحيز المدني، وتجريم الاحتجاج، واستخدام الدعاوى الاستراتيجية المناهضة للمشاركة العامة (SLAPPs)، والتهديدات والعنف. 

وأكد خبراء أمميون تدخلاتهم عبر زيارات ميدانية وإرشادات معيارية لحماية الاحتجاجات البيئية، ودعوا إلى آليات منسقة للحماية العاجلة ومنصات إقليمية آمنة للمدافعين.

مسؤولية الشركات وسبل الانتصاف

تبقى مساءلة مؤسسات الأعمال عن الأضرار البيئية مصدر قلق مستمر، إذ أوصى التقرير الأممي بتعزيز إتاحة سبل الانتصاف الفعالة على الصعيد الوطني، ومنع الضرر المرتبط بالأعمال، والمواءمة بين المعايير البيئية وحقوق الإنسان، خاصة في الصناعات الاستخراجية.

وخلصت الحلقة إلى أن الاعتراف العالمي لا يكفي دون امتثال فعلي لقرارات الآليات الإقليمية، وتعاون أوثق بين المنظمات الإقليمية والدولية والدول لضمان الجبر والمساءلة، حيث دعت إلى تبادل مرجعي أوسع للأحكام والمعايير، ومواءمة أفضل للتوصيات، وترسيخ سيادة القانون البيئي.

بين نصوص متقدمة وأحكام رائدة، يظل الحق في بيئة صحية "معترفا به" أكثر مما هو "منفذ"، والرهان اليوم ليس على إعلان جديد، بل على تحويل الالتزامات إلى واقع يلمسه الناس في هواء أنقى، وماء آمن، وأرض لا تُستنزف باسم التنمية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية