هيومن رايتس ووتش: قطع الإنترنت في إيران يخفي الفظائع
هيومن رايتس ووتش: قطع الإنترنت في إيران يخفي الفظائع
تشهد إيران منذ 8 يناير 2026 تصعيدا غير مسبوق في حملة القمع التي تنفذها السلطات ضد المتظاهرين، وسط تقارير متطابقة تتحدث عن عمليات قتل واسعة النطاق في مدن عدة، رافقها قطع شامل للإنترنت في جميع أنحاء البلاد، وأعاد هذا التصعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر أزمات حقوق الإنسان في تاريخ الجمهورية الإيرانية، حيث باتت حياة آلاف المدنيين مهددة في ظل غياب أي رقابة مستقلة أو قنوات تواصل آمنة مع العالم الخارجي.
وفي هذا السياق، نقلت منظمات حقوقية دولية ووكالات أنباء عالمية، من بينها هيومن رايتس ووتش ووكالة رويترز، الثلاثاء، معلومات مقلقة عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين خلال الاحتجاجات الشعبية، مع تعذر التحقق الكامل من حجم الانتهاكات بسبب الانقطاع المستمر للإنترنت منذ بداية الحملة الأمنية.
إنترنت مقطوع وبلاد معزولة
منذ 8 يناير 2026، فرضت السلطات الإيرانية قطعا شاملا لشبكة الإنترنت، في خطوة وصفتها منظمات المجتمع المدني بأنها تهدف إلى عزل البلاد ومنع تسريب المعلومات حول ما يجري على الأرض.
هذا الإجراء أدى إلى شلل شبه كامل في الاتصالات، وعرقل جهود توثيق الانتهاكات، كما حرم عائلات الضحايا من إيصال أصواتهم أو معرفة مصير أبنائهم المحتجزين.
وتؤكد تقارير حقوقية أن قطع الإنترنت بات أداة مركزية في سياسة القمع، إذ يتيح لقوات الأمن تنفيذ عمليات اعتقال وقتل دون رقابة، ويصعب على الصحفيين والمنظمات المستقلة الوصول إلى المعلومات أو التحقق منها.
أرقام متضاربة وحصيلة دامية
تشير تقديرات منظمات المجتمع المدني ووسائل إعلام إيرانية مستقلة إلى أن حصيلة القتلى بلغت الآلاف، في حين قال مسؤول إيراني لوكالة رويترز إن نحو 2000 شخص لقوا حتفهم خلال الاحتجاجات، متهما ما وصفهم بالإرهابيين بالمسؤولية عن مقتل المدنيين وأفراد الأمن.
من جهتها، أعلنت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان هرانا، ومقرها الولايات المتحدة، أنها تحققت حتى وقت متأخر من يوم أمس الاثنين من مقتل 646 شخصا، بينهم 505 من المحتجين و113 من أفراد الجيش والأمن و7 من المارة، إضافة إلى تلقيها بلاغات عن 579 حالة وفاة أخرى لا تزال قيد التحقق.
كما أفادت الوكالة بأن السلطات احتجزت منذ بدء الاحتجاجات 10721 شخصا، في حملة اعتقالات واسعة طالت متظاهرين ونشطاء وطلابا.
توثيق تحت النار
رغم الظروف شديدة الصعوبة، تواصل هيومن رايتس ووتش توثيق الأدلة المرتبطة بعمليات القتل غير القانونية والانتهاكات الجسيمة، وتشمل هذه الجهود التحقق من مقاطع مصورة مسربة من مشارح ومستشفيات، إضافة إلى شهادات شهود عيان من داخل إيران.
وتؤكد المنظمة أن الانقطاع المستمر للإنترنت يجعل من الصعب الوصول إلى صورة كاملة، لكنه لا يمنع ظهور أدلة متزايدة على حجم العنف المستخدم ضد المتظاهرين.
وتقول المنظمة إن مناخ الإفلات المنهجي من العقاب مكّن السلطات الإيرانية مرارا من ارتكاب جرائم بموجب القانون الدولي، من بينها القتل والتعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري، بهدف القضاء على أي شكل من أشكال المعارضة أو الاحتجاج الشعبي.
خطر الإعدامات السرية
أعربت منظمات حقوقية عن قلق بالغ إزاء مصير المحتجزين، محذرة من خطر تنفيذ إعدامات سرية وتعسفية بحقهم، وتشير التقارير إلى أن السلطات وجهت لبعض المتظاهرين تهم دينية خطيرة تصنفهم كأعداء للدولة، وهي تهم قد تقود مباشرة إلى عقوبة الإعدام.
وفي تعليق منسوب إلى المدير التنفيذي لهيومن رايتس ووتش فيليب بولوبيون، حذرت المنظمة من أن التقارير عن القتل والانتهاكات الجسيمة لا تزال تتدفق رغم العزل الرقمي الكامل، مؤكدة أن المحتجزين يواجهون مخاطر حقيقية على حياتهم، وداعية مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لوقف هذه الفظائع وإنذار المسؤولين بأن العدالة الدولية ستلاحقهم.
دعوات أممية وتحرك دولي
تطالب منظماتُ حقوق الإنسان الدولَ الأعضاء في الأمم المتحدة بالضغط الفوري على السلطات الإيرانية لوقف سفك الدماء، والسماحِ بالوصول غير المقيد للبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران، إضافة إلى إعادة الاتصال بشبكة الإنترنت العالمية، وترى هذه المنظمات أن السماح للبعثة بالعمل بحرية يمثل خطوة أساسية لتوثيق الجرائم وحماية الأدلة، تمهيدا لمحاسبة المسؤولين عنها مستقبلا.
كما تحذر من أن الصمت الدولي أو الاكتفاء ببيانات الإدانة سيشجع السلطات على مواصلة القمع، ويعزز ثقافة الإفلات من العقاب التي سادت لعقود.
في مؤشر على عمق الغضب الشعبي، أفادت هرانا بتلقيها تقارير ومقاطع مصورة من مقبرة بهشت زهرا في طهران، حيث تجمع أفراد من أسر القتلى عند مواقع الدفن ورددوا هتافات احتجاجية، في تحدٍ واضح للقيود الأمنية المشددة، وهذه المشاهد تعكس حجم الألم الذي تعيشه آلاف العائلات، وتبرز أن القمع لم ينجح في إسكات أصوات الغضب والحزن.
الرواية الرسمية والاتهامات الخارجية
لم تقدم السلطات الإيرانية حتى الآن حصيلة رسمية لعدد القتلى، واكتفت بتحميل ما تسميه التدخل الأمريكي وجماعات مدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولية إراقة الدماء، وركزت وسائل الإعلام الرسمية بشكل أساسي على سقوط قتلى من قوات الأمن، في حين قللت من أعداد الضحايا بين المتظاهرين المدنيين.
ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يهدف إلى نزع الشرعية عن الاحتجاجات الشعبية وتحويل الأنظار عن المطالب الداخلية المتعلقة بالحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.
تأتي هذه الاحتجاجات في سياق تاريخ طويل من التوتر بين السلطات الإيرانية وقطاعات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب والنساء والأقليات، وقد شهدت إيران موجات احتجاج متكررة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها في عام 2022، عندما اندلعت تظاهرات واسعة احتجاجا على القيود الاجتماعية والسياسية.. ومع كل موجة، واجه المحتجون ردا أمنيا صارما شمل الاعتقالات الجماعية واستخدام القوة المميتة.
وتشير تقارير أممية إلى أن غياب المساءلة القضائية عن الانتهاكات السابقة شجع على تكرارها، وأن استمرار القمع يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ويعمق عزلة إيران الدولية، وتؤكد هذه التقارير أن احترام حقوق الإنسان وفتح قنوات الحوار يمثلان السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار وحماية أرواح المدنيين، محذرة من أن تجاهل المطالب الشعبية سيقود إلى مزيد من العنف والمعاناة الإنسانية.










