فنانون في المنفى.. سياسات الترحيل القسري تهدد الحقوق الثقافية للأفغان في باكستان

فنانون في المنفى.. سياسات الترحيل القسري تهدد الحقوق الثقافية للأفغان في باكستان
الموسيقى الأفغانية

كشفت سياسة الترحيل الباكستانية الجديدة عن تهديد مباشر لحق أساسي من حقوق الإنسان، هو الحق في الثقافة وحرية التعبير الفني، بعدما وضعت مجتمع الموسيقيين الأفغان المنفيين في بيشاور أمام خطر الصمت القسري.

تُعدّ مدينة بيشاور، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، ملاذًا تاريخيًا لأجيال من الأفغان الذين فرّوا من الحروب والاضطهاد، وبينهم موسيقيون حافظوا على تراث بلادهم الغني من الأغاني والقصائد الشعبية بعيدًا عن سيطرة حركة طالبان التي حظرت الموسيقى واضطهدت الفنانين، غير أن هذا الملاذ بات مهددًا مع موجة الطرد التي تشنها الحكومة الباكستانية، والتي أجبرت بالفعل مليون أفغاني على مغادرة البلاد منذ العام الماضي.

تُظهر هذه الإجراءات كيف يمكن لسياسات الهجرة أن تتحول إلى أداة تقويض للحقوق الثقافية، بعدما بدأت الألحان التي كانت تُدوّي في قاعات الأفراح ومسارح الحفلات والمباني السكنية في بيشاور تخفت، في مشهد يعكس تراجع المساحات الآمنة للتعبير الفني.

وتنتمي هذه الفئة من الموسيقيين إلى مجتمع فني أفغاني ازدهر لعقود، ويضم موسيقيين وحائكي سجاد وراقصين، وقد وفّرت لهم باكستان، على مدى سنوات، ملاذًا من الغزو السوفيتي في الثمانينيات، ثم من سيطرة طالبان في التسعينيات.

وحظرت حركة طالبان الموسيقى بشكل كامل، واضطهدت الفنانين، وأحرقت أو حطمت الآلات الموسيقية، سواء خلال حكمها الأول في التسعينيات أو منذ استعادتها السلطة عام 2021، ما جعل ممارسة الفن في أفغانستان خطرًا وجوديًا على أصحابه.

وترصد "نيويورك تايمز" كيف تصاعدت الأزمة منذ عام 2023، حين اتهمت السلطات الباكستانية حكومة طالبان بدعم متمردين يستهدفون باكستان، وردًا على ذلك أعلنت أن ملايين الأفغان "مهاجرون غير شرعيين"، ومنهم من فروا بعد سيطرة طالبان على السلطة.

الموسيقى في بيشاور

توثّق الصحيفة مشهدًا دالًا داخل متجر محمد حسن زمري للموسيقى في بيشاور، حين صدحت نغمات أغنية زفاف أفغانية من شريط كاسيت مهترئ، في حين جلس زبون أفغاني مسنّ غارقًا في الذكريات. 

وقال زمري البالغ من العمر 52 عامًا، والذي فرّ من أفغانستان في الثمانينيات، إن لديه نحو 2000 شريط كاسيت، نصفها معروض في متجره الخشبي المتداعي.

يحذّر زمري من أن هذه الأشرطة لا يمكن نقلها إلى أفغانستان؛ لأن طالبان ستحرقها، مشيرًا إلى أنه أخفى بالفعل النصف الآخر من مجموعته التي تُعد أرشيفًا خاصًا يعود إلى خمسينيات القرن الماضي؛ خوفًا من مصير مجهول في حال ترحيله.

تُبرز الصحيفة أن الموسيقيين الأفغان حافظوا على تراثهم في دول مجاورة وأوروبا والولايات المتحدة، لكنهم لم يزدهروا عبر أجيال كما فعلوا في باكستان، وخصوصًا في بيشاور التي تحولت إلى مركز حيّ للموسيقى الأفغانية في المنفى.

تستعيد "نيويورك تايمز" تاريخ هذا الوجود، بدءًا من موجة الهجرة الأولى في الثمانينيات التي جاءت بفنانين مثل قمر غولا، إحدى أشهر المغنيات الأفغانيات، وصولًا إلى تسجيل أغاني مقاومة ضد الغزو السوفيتي عام 1979 هُرّبت عبر الحدود لدعم المجاهدين.

وتتوسع الصحيفة في وصف المشهد خلال التسعينيات، حين توافد مزيد من الفنانين مع اندلاع الحرب الأهلية، وقدموا عروضهم على أنغام الطبلة والرباب، ومنهم همايون ساخي، عازف الرباب الذي فرّ مراهقًا إلى بيشاور قبل أن يقدّم عروضًا في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا.

وتوضح أن الفنانين الباكستانيين احتضنوا نظراءهم الأفغان، وتحولت شقق صغيرة إلى وكالات مؤقتة للمواهب، في حين وفّرت استوديوهات التسجيل معدات احترافية لرموز ثقافية مثل صادق فطرت ناشناس، نجم العصر الذهبي للموسيقى الأفغانية.

تشير تقارير إخبارية محلية إلى أن بيشاور كانت تضم أكثر من 500 موسيقي أفغاني بحلول أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، قبل أن تدفع سيطرة طالبان الثانية عام 2021 جيلًا جديدًا من الفنانين إلى المنفى.

الإعادة القسرية

ينقل راديو أوروبا الحرة صورة موازية، مؤكدًا أن الموسيقيين الأفغان الذين فرّوا إلى باكستان بعد عام 2021 يعيشون اليوم قلقًا متصاعدًا مع اقتراب خطر الترحيل، موضحاً أن طالبان حظرت الموسيقى فور سيطرتها على البلاد، وشنّت حملات مداهمة وتدمير للآلات.

يقول الموسيقي الأفغاني فايز محمد ساخي المقيم في بيشاور، إن منازلهم فُتشت، وآلاتهم حُطمت رغم محاولاتهم إخفاءها، مضيفًا: "الموسيقى شغفنا، حبنا، ومهنتنا".

ويشرح أنه وزميله الموسيقي بريالي والي من بين كثيرين لجؤوا إلى باكستان، حيث تمكنوا من مواصلة عزف الموسيقى الأفغانية في مدن مثل بيشاور، رغم تقلص المساحات الثقافية في أماكن أخرى.

وينقل عن والي قوله إن هذه الإمكانيات غير متوفرة في الغرب، لكنه يحذر من أن هذا "العصب الهش" بات مهددًا، مع تكثيف باكستان عمليات الترحيل منذ الأول من أبريل، وإجبار أكثر من 50 ألف أفغاني على مغادرة البلاد.

ويؤكد راديو أوروبا الحرة أن العودة إلى أفغانستان ستنهي قدرة الموسيقيين على العزف أو تدريس الموسيقى، وتضعهم أمام مستقبل غامض، في ظل وضع قانوني غير مستقر داخل باكستان.

يعبّر ساخي عن مخاوفه من ضياع التراث الموسيقي الأفغاني، ومنه آلات قديمة كالرباب: "إذا أُخذت أي من هذه الآلات، فسيضيع التراث الموسيقي بأكمله".

ومن جانبها تكشف صحيفة "داون" الباكستانية عن مسار قانوني موازٍ، حيث رفع نحو 400 مواطن أفغاني، بينهم فنانون وعائلاتهم، دعوى أمام محكمة بيشاور العليا لوقف ترحيلهم القسري، استنادًا إلى مبدأ عدم الإعادة القسرية، بسبب ما يواجهونه من اضطهاد في أفغانستان.

توضح الصحيفة في نسختها الإنجليزية أن مقدمي الالتماس طالبوا بالسماح لهم بالبقاء في باكستان بوصفهم لاجئين، مستندين إلى حكم سابق صادر في 13 ديسمبر 2024، ألزم الحكومة بالنظر في قضايا فنانين وأشخاص متحولين جنسيًا على أساس توفير الحماية.

وكانت المحكمة العليا  قد أمرت الحكومة الفيدرالية بدراسة ما إذا كانت شروط منع الإعادة القسرية متوافرة، واتخاذ قرار بمنح اللجوء إذا ثبت وجود خطر على حياة مقدمي الالتماسات.

الفن في أفغانستان

يسرد التقرير "داون" أسماء الجهات المشمولة في الدعوى، من وزارة الداخلية الفيدرالية إلى وكالة التحقيقات الفيدرالية، كما يشير إلى أن مقدمي الالتماس، وبينهم زكية دنيا غزال، أكدوا أن ممارسة الفن في أفغانستان أصبحت مستحيلة وخطيرة بعد سيطرة طالبان.

يؤكد مقدمو الالتماس أنهم مسجلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وأن هناك اتفاقية موقعة عام 2003 تضمن استمرار وضع الأفغان بوصفهم لاجئين حتى استتباب السلام الدائم في أفغانستان.

تستند الدعوى أيضًا إلى التزامات باكستان الدولية، باعتبارها دولة موقعة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإلى حكم قضائي يؤكد أن الحقوق الأساسية في الدستور الباكستاني تشمل الأجانب واللاجئين.

تختتم "داون" بالإشارة إلى أن فئات مختلفة من الأفغان يتقدمون بانتظام بطلبات حماية من الترحيل، في ظل سياسة ترى فيها هذه الفئات تهديدًا مباشرًا لحياتهم ووجودهم الثقافي.




ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية