بريطانيا تفتح نقاشاً وطنياً حول مستقبل الأطفال في عصر الشاشات
بريطانيا تفتح نقاشاً وطنياً حول مستقبل الأطفال في عصر الشاشات
أطلقت الحكومة البريطانية مشاورات واسعة النطاق حول استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي والمجتمعي من التأثيرات المتزايدة للعالم الرقمي في صحة الأجيال الناشئة.
تشمل المشاورات مقترحات متعددة منها احتمال فرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن معينة، إلى جانب تشديد الإرشادات الموجهة للمدارس بشأن استخدام الهواتف المحمولة داخل الحرم المدرسي، بحسب ما ذكرته وكالة رويترز الثلاثاء.
وفي وقت سابق ذكرت الحكومة البريطانية، أنها ستدرس نماذج وتجارب مطبقة في دول مختلفة حول العالم، بهدف تقييم فعالية حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، وبحث أفضل السبل لضمان تطبيقه في حال اتخاذ قرار بالمضي قدماً، مع مراعاة التوازن بين حماية الأطفال والحفاظ على حقوقهم الرقمية، بحسب ما نقلته صحيفة التليغراف البريطانية.
تحذيرات طبية متصاعدة
تأتي هذه الخطوة الحكومية في وقت أطلق فيه كبار الأطباء والخبراء الطبيين في بريطانيا تحذيرات غير مسبوقة من أن الاستخدام المفرط للشاشات، والتعرض لمحتوى ضار عبر الإنترنت، تحولا إلى ما وصفوه بحالة طوارئ صحية عامة، وأكد هؤلاء أن التأثيرات لم تعد نظرية أو مستقبلية، بل باتت واضحة يومياً في العيادات الطبية وأقسام الطوارئ.
وأكدت الأكاديمية الملكية للكليات الطبية التي تمثل 23 كلية ومستشفى في بريطانيا، أن الأطباء يشهدون بشكل متكرر حالات صحية ونفسية مقلقة مرتبطة مباشرة بالاستخدام الرقمي غير المنضبط، وتشمل هذه الحالات إصابات جسدية وسلوكيات جنسية خطرة بين الأطفال والمراهقين، مستوحاة من محتوى رقمي ضار يتم تداوله على نطاق واسع عبر المنصات الإلكترونية.
شهادات صادمة
وخلال اجتماع عقد في أكتوبر الماضي، وُصف بأنه مؤثر للغاية، استمع الحضور إلى شهادات صادمة قدمها أكثر من 20 طبيباً من تخصصات مختلفة، بينهم أطباء أطفال وأطباء طوارئ وأطباء نفسيون، وروى الأطباء تفاصيل حالات واقعية، منها وفاة مراهقة بعد تعرضها لإصابات خطرة نتيجة تقليد سلوكيات خطرة شاهدها شريكها عبر الإنترنت.
وسلطت هذه الشهادات الضوء على حجم الفجوة بين العالم الرقمي الذي يعيش فيه الأطفال، وقدرة الأسر والمؤسسات التعليمية على مواكبته أو احتوائه، ما يترك الأطفال عرضة لتأثيرات نفسية وسلوكية عميقة.
مخاطر صحية وسلوكية متنامية
وحذرت الدكتورة زارا هايدر، رئيسة كلية الصحة الجنسية والإنجابية، من تزايد السلوكيات الجنسية الخطرة بين المراهقات، مشيرة إلى أن بعض هذه السلوكيات يرتبط بتأثر الشركاء بمحتوى إباحي رقمي، ومنها ممارسات عنيفة مثل الخنق، والتي قد تؤدي إلى إصابات دماغية دائمة أو حتى الوفاة.
كما نبه الخبراء إلى تأثير الاستخدام المفرط للشاشات في تطور المهارات الاجتماعية لدى الأطفال، وقدرتهم على التفاعل الواقعي وبناء العلاقات الإنسانية، إضافة إلى تراجع القدرة على التنقل والاعتماد على الذات دون تطبيقات رقمية، وازدياد حالات ضعف النظر في سن مبكر.
الأطفال في فقاعات رقمية
وقالت الدكتورة جانيت ديكسون، رئيسة الأكاديمية الملكية للكليات الطبية، إن الأطفال أصبحوا محاصرين داخل ما وصفته بالفقاعات الرقمية، حيث تهيمن الشاشات والخوارزميات على وعيهم وسلوكهم اليومي. وحذرت من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي مستقبلاً إلى تحول العلاقات الاجتماعية إلى علاقات افتراضية بالكامل، ولا يخفى ما يحمله ذلك من مخاطر على الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي.
وأشارت إلى أن الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يواجهون مخاطر مضاعفة نتيجة الإفراط في استخدام الشاشات، ما يزيد من صعوبة التركيز ويعمق التحديات التعليمية والسلوكية التي يعانون منها.
خطوات حكومية مرتقبة
وفي ضوء هذه التحذيرات، أرسلت الأكاديمية رسالة رسمية إلى وزيري الصحة والتعليم في بريطانيا، دعت فيها إلى تحرك عاجل ومنسق، وتستعد الحكومة للإعلان عن حزمة من القيود المحتملة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، تراوح بين الحظر الكامل أو فرض قيود جزئية على نوعية المحتوى ومدة الاستخدام اليومية.
كما تجري مراجعة شاملة لاستخدام الشاشات لدى الأطفال دون سن 5 أعوام، بمشاركة خبراء دوليين في الصحة النفسية والتنمية السلوكية، منهم جوناثان هايدت مؤلف كتاب The Anxious Generation الذي تناول فيه تأثير البيئة الرقمية في الصحة النفسية للأطفال.
يشهد العالم خلال السنوات الأخيرة تصاعداً في القلق بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال والمراهقين، مع ارتفاع معدلات اضطرابات الصحة النفسية، والسلوكيات المؤذية للذات، والتعرض المبكر للمحتوى العنيف أو الإباحي، إضافة إلى مخاطر التطرف الرقمي، وفي بريطانيا، كما في دول أخرى، تزايدت الدعوات لإعادة تنظيم العلاقة بين الأطفال والعالم الرقمي، وسط تحذيرات من كارثة مجتمعية محتملة قد تطول أجيالاً كاملة إذا لم يتم التدخل بقرارات حاسمة ومتوازنة تحمي صحة الأطفال دون عزلهم عن التطور التكنولوجي.










