القدس على حافة التهجير.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر بشأن سياسات الهدم والاستيطان
القدس على حافة التهجير.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر بشأن سياسات الهدم والاستيطان
حذّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة من تسارع خطير في السياسات الإسرائيلية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس الشرقية ومحيطها، مؤكدا أن ما يجري يشكل عملية منهجية للتشظي الجغرافي والديمغرافي من خلال التهجير القسري والتوسع الاستيطاني غير القانوني، ودعا المكتب إسرائيل إلى وقف هذه الإجراءات فورا، محذرا من تداعياتها الكارثية على الحقوق الأساسية للفلسطينيين ومستقبل حل الدولتين.
وفي بيان صدر اليوم الثلاثاء، ونقلته مصادر أممية ووكالات دولية، بينها مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أشار التقرير إلى أن وتيرة الإخلاءات والهدم في القدس الشرقية تشهد تصاعدا غير مسبوق، بالتوازي مع خطوات متسارعة لفرض وقائع استيطانية جديدة في منطقة E1 الواقعة بين القدس الشرقية ورام الله وبيت لحم، وهي منطقة تعتبر محورية للحفاظ على التواصل الجغرافي الفلسطيني في الضفة الغربية.
تصاعد التهجير القسري في القدس الشرقية
أوضح مكتب حقوق الإنسان أن حي سلوان جنوب البلدة القديمة بات بؤرة مركزية لعمليات الإخلاء القسري، حيث تتعرض عشرات العائلات الفلسطينية لضغوط قانونية وأمنية متواصلة لإجبارها على مغادرة منازلها، وأكد أن عمليات الهدم والإخلاء في المنطقة لا تتم بمعزل عن سياسة أوسع تهدف إلى تغيير الطابع الديمغرافي للقدس الشرقية، وإحلال المستوطنين مكان السكان الأصليين.
وأشار المكتب إلى أن المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت خلال العام الماضي قرارات نهائية ضد دعاوى قانونية تقدمت بها عائلات فلسطينية من حي بطن الهوى، لصالح منظمة استيطانية، ما أغلق فعليا أي مسار قضائي داخلي متبقٍ أمام هذه الأسر، ونتيجة لذلك، تسارعت وتيرة أوامر الإخلاء، لتتحول إلى تهديد مباشر وفوري لمئات السكان.
مصير مئات العائلات على المحك
بحسب مكتب حقوق الإنسان، سلّمت السلطات الإسرائيلية الأسبوع الماضي أوامر إخلاء نهائية لـ 32 أسرة إضافية في بطن الهوى، معظمها من عائلة الرجبي، ما يهدد بتهجير نحو 250 شخصا في المرحلة القريبة، كما يواجه قرابة 700 فلسطيني في سلوان إجراءات إخلاء مختلفة لا تزال منظورة أمام محاكم أدنى، في مشهد يعكس اتساع نطاق الاستهداف في القدس.
ونقل المكتب شهادة زهير رجبي، أحد قادة المجتمع المحلي والمتحدث باسم أكثر من 80 أسرة مهددة بالإخلاء، الذي عبّر عن شعور عام بانسداد الأفق، قائلا إن فرص إنصاف الفلسطينيين أمام القضاء الإسرائيلي باتت شبه معدومة، مقارنة بسنوات سابقة كانت تشهد أحيانا قرارات أقل قسوة، وأشار المكتب إلى أن عائلة رجبي نفسها تعرضت لعمليات تهجير متكررة منذ عام 1948، ما يعكس نمطا ممتدا من الاقتلاع عبر الأجيال.
تحويل المنازل إلى مستوطنات ومشاريع سياحية
أكد مكتب حقوق الإنسان أن عمليات الإخلاء غالبا ما تنتهي بتسليم المنازل الفلسطينية للمستوطنين، أو بمصادرتها لإقامة مشاريع استيطانية وسياحية، وتشمل هذه المشاريع حديقة سياحية وخط تلفريك يربط القدس الغربية بالبلدة القديمة، وهي مشاريع يرى فيها الفلسطينيون محاولة لطمس الطابع العربي والإسلامي للمدينة، وإعادة تقديمها برواية أحادية تخدم الأجندة الإسرائيلية.
منطقة E1 قلب الصراع الجغرافي
بالتوازي مع تفريغ الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، حذر المكتب الأممي من أن التوسع الاستيطاني في منطقة E1 يهدد بعزل القدس بالكامل عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية نشرت في 10 ديسمبر عطاءات لبناء 3401 وحدة استيطانية جديدة في المنطقة، في خطوة وصفها خبراء بأنها تقطع أوصال الضفة الغربية وتمنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
وفي 8 يناير الجاري، أعلنت إسرائيل عن بدء وشيك لتنفيذ مشروع طريق جديد يهدف إلى تحويل حركة المرور الفلسطينية بعيدا عن منطقة E1، مع تخصيص الطريق رقم 1 لحركة الإسرائيليين فقط، وقد أُبلغت مجتمعات فلسطينية عدة، من بينها العيزرية وأبو ديس والسواحرة وجبل البابا ووادي جميل، بأنها ستتأثر بالمشروع، ومنحت مهلة 45 يوما للاعتراض، في ظل مخاوف واسعة من تهجير قسري جديد.
تعميق الفصل العنصري
وصف مكتب حقوق الإنسان هذا المشروع بأنه سيؤدي إلى آثار كارثية، تشمل منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وفصل القدس الشرقية عن باقي الضفة الغربية، وتمزيق التواصل بين شمال الضفة وجنوبها، وحذّر من أن هذه الخطوات ستعمق نظام الفصل العنصري، وتجبر 18 مجتمعا فلسطينيا قديما في المنطقة على النزوح القسري، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
لفت المكتب الأممي إلى أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن تصريحات متكررة لمسؤولين إسرائيليين كبار تعكس توجها سياسيا واضحا لفرض السيادة على الضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية، واستشهد بتصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي في 11 سبتمبر 2025 خلال توقيع اتفاق لتوسيع مستوطنة معاليه أدوميم باتجاه E1، قال فيه بشكل صريح إن المنطقة لن تشهد قيام دولة فلسطينية.
القانون الدولي في قلب المواجهة
ذكر مكتب حقوق الإنسان أن محكمة العدل الدولية أكدت في رأي استشاري صدر في يوليو 2024 أن السياسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك الإخلاء القسري والهدم واسع النطاق، تتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر التهجير القسري، كما خلصت المحكمة إلى ضرورة إنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني، ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية، وإجلاء المستوطنين من الأراضي المحتلة.
وقال أجيث سونغهاي، مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، إن ما يجري في الضفة الغربية، وخاصة في القدس الشرقية، يمثل معدلات غير مسبوقة من التهجير والاستيلاء على الأراضي وعنف المستوطنين، محذرا من أن هذه السياسات تقوض بشكل مباشر حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ودعا المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري للضغط من أجل وقف هذه الانتهاكات وتعزيز قدرة الفلسطينيين على التمتع بحقوقهم الأساسية.
تخضع القدس الشرقية للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، وتعتبرها الأمم المتحدة والأغلبية الساحقة من دول العالم أرضا محتلة ينطبق عليها القانون الدولي الإنساني، ومنذ عقود، تواجه الأحياء الفلسطينية في المدينة سياسات هدم وإخلاء بحجج قانونية وتخطيطية، في مقابل تسهيلات واسعة للتوسع الاستيطاني، وتعد منطقة E1 من أكثر المناطق حساسية، إذ إن تطويرها استيطانيا يقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ورغم صدور عشرات القرارات الدولية التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان، تواصل إسرائيل توسيع المستوطنات، في ظل غياب آليات دولية فعالة لفرض المحاسبة، ما يجعل التحذيرات الأممية المتكررة بمثابة نداء أخير لحماية ما تبقى من الوجود الفلسطيني في القدس والأراضي المحتلة.










