النوم على الحصى.. أسيرة فلسطينية محررة تكشف حجم الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى
النوم على الحصى.. أسيرة فلسطينية محررة تكشف حجم الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى
توثّق الأسيرة الفلسطينية المحررة، أسيل أبو زايدة، واحدة من مئات الحالات التي تعرّض فيها مدنيون فلسطينيون، وخصوصاً النساء، للاعتقال التعسفي وسوء المعاملة خلال محاولاتهم النزوح القسري داخل قطاع غزة، في سياق حرب خلّفت دماراً واسعاً وانهياراً شبه كامل للمنظومة الصحية والإنسانية، ووضعت المدنيين أمام خيارات قسرية لا تتصل بالنجاة بقدر ما تتصل بمحاولة البقاء على قيد الحياة.
وتروي الشابة أسيل البالغة من العمر 20 عاماً تفاصيل اعتقالها على حاجز عسكري إسرائيلي نُصب على شارع صلاح الدين، خلال محاولتها وعائلتها النزوح من شمال قطاع غزة إلى جنوبه في 22 نوفمبر 2023، بعد أن أُصيب جميع أفراد الأسرة بجروح جراء قصف المنزل الذي كانوا يحتمون به في مخيم جباليا، في حين قُتل شقيقها الأكبر وأصيب شقيق آخر بإصابة خطرة في الرأس، وسط عجز المستشفيات في الشمال عن تقديم أي علاج حقيقي، وفق وكالة “أنباء المرأة”، اليوم الخميس.
ودفعت الحاجة الماسة للعلاج العائلة إلى اتخاذ قرار النزوح، في رحلة قسرية امتدت نحو 15 كيلومتراً مشياً على الأقدام، تحت تهديد السلاح، ومن دون السماح بحمل سوى القليل من المتاع.
الاعتقال عند الحاجز
تصف أسيل لحظة توقيفها عند الحاجز العسكري، حين ناداها أحد الجنود عبر مكبرات الصوت، قبل أن يأمرها وشقيقتها الصغرى بالاتجاه إلى مسار مختلف عن مسار العائلة.
تعترض أسيل على اصطحاب الطفلة إلى التحقيق، فيُسمح لها بالعبور بعد تهديدات واضحة، في حين تُقتاد أسيل وحدها إلى نقطة احتجاز ميدانية.
هناك تتعرض لتفتيش عارٍ، وتُصادر منها النقود والمصاغ التي كانت العائلة قد خبأتها تحت ملابسها، في مشهد تقول إنه لم يكن استثناءً، إذ شاهدت كميات كبيرة من مقتنيات مدنية تعود لنساء أخريات، ما يشير إلى نمط مصادرة ممنهجة لممتلكات النازحين.
سوء معاملة ممنهج
تنقل أسيل تفاصيل ليلة الاعتقال الأولى، حيث أُجبرت على النوم على الحصى، وتعرضت للصفع والضرب، قبل نقلها مع أسيرات أخريات وهنّ معصوبات الأعين ومقيدات بالأصفاد الحديدية، والسير لمسافات طويلة تحت الضرب عند التأخر أو الاعتراض.
تُجبر الأسيرات على خلع أحذيتهن والسير حفاة، وتُضرب إحداهن في مناطق حساسة من الجسد عند أي مقاومة.
وتصف لاحقاً نقلها إلى معتقل شديد البرودة، حيث أُجبرت على ارتداء ملابس صيفية مهترئة، وحُرمت من الطعام الكافي ومن أدوات النظافة الأساسية، في ظروف أدت إلى تدهور صحي واضح، شمل إصابة أسيرة حامل أجهضت من دون تلقي أي رعاية طبية.
التحقيق والاحتجاز القاسي
تؤكد أسيل أنها خضعت لعشرات جلسات تحقيق، أُجبرت خلالها على الجلوس في أوضاع مؤلمة لساعات، وتعرضت للتهديد بالقتل والإهانات اللفظية، خصوصاً عند عجزها عن الإجابة عن أسئلة سياسية لا تملك عنها أي معرفة.
وتوضح أنها لم تُحتجز في زنزانة عادية، بل داخل قفص معدني، تنام فيه على ألواح خشبية بلا فراش أو أغطية، وتُستدعى للتحقيق في ساعات متأخرة من الليل، في انتهاك واضح لأبسط المعايير الإنسانية، ومحاولة مستمرة لكسر الإرادة النفسية للأسيرات.
وتنتهي رحلة الاعتقال بعد خمسين يوماً من التنقل بين عدة معتقلات، من مناطق غلاف غزة إلى القدس وبئر السبع، قبل الإفراج عنها بعد إجبارها على التوقيع على أوراق مكتوبة بالعبرية لا تعلم محتواها.
اليوم تحاول أسيل استعادة حياتها والعودة إلى مقاعد الدراسة في كلية الصيدلة، إلا أن آثار التجربة لا تزال تلاحقها، من صعوبات في التركيز إلى استدعاء دائم للذكريات المؤلمة، في ظل غياب أي مساءلة أو إنصاف.
تكشف شهادة أسيل أبو زايدة، بوصفها حالة موثقة، عن نمط من الانتهاكات الجسيمة التي تطول المدنيين الفلسطينيين، ولا سيما النساء، خلال النزوح والاعتقال، ومنه الاعتقال التعسفي، وسوء المعاملة، والتجريد من الممتلكات، والحرمان من الرعاية الصحية، وهي ممارسات تشكّل، وفق القانون الدولي الإنساني، انتهاكات تستوجب التحقيق والمحاسبة.










