بسبب الجريمة المنظمة.. البلدات العربية في أراضي 48 تنظم إضراباً احتجاجياً على تقاعس الشرطة
بسبب الجريمة المنظمة.. البلدات العربية في أراضي 48 تنظم إضراباً احتجاجياً على تقاعس الشرطة
عمّ إضراب شامل، اليوم الخميس، مختلف البلدات الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام 48، في مشهد احتجاجي غير مسبوق يعكس حالة الغضب المتراكمة داخل المجتمع العربي نتيجة تصاعد الجريمة المنظمة وتفشي العنف وجرائم القتل، وجاء الإضراب الذي شلّ الحركة التجارية والخدمات العامة استجابة لدعوة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، في محاولة جماعية للضغط على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وتحميلها مسؤولية ما يصفه الفلسطينيون بسياسة الإهمال والتقاعس المتعمد في توفير الأمن.
بدأت شرارة الإضراب من مدينة سخنين قبل أن تتسع رقعته بسرعة لتشمل عشرات البلدات والمدن العربية في الجليل والمثلث والنقب، حيث أغلقت المحال التجارية أبوابها، وتوقفت المرافق العامة، وعمت حالة من الشلل شبه الكامل، في رسالة احتجاجية واضحة تعكس حجم الاحتقان الشعبي في ظل استمرار نزيف الدم داخل المجتمع العربي، وفق المركز الفلسطيني للإعلام.
غضب متراكم
الإضراب لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل جاء نتيجة تراكم طويل من مشاعر الغضب والخوف لدى الأهالي، في ظل تصاعد غير مسبوق في جرائم القتل وإطلاق النار وفرض الإتاوات المعروفة باسم الخاوة، ويرى منظمو الإضراب أن هذه الظواهر لم تعد حوادث معزولة، بل تحوّلت إلى نمط يومي يهدد أمن العائلات ويقوض الاستقرار الاجتماعي، في وقت تتهم فيه الشرطة الإسرائيلية بالتقاعس عن أداء واجبها، بل وبالتغاضي عن نشاط العصابات الإجرامية داخل البلدات العربية.
مدينة سخنين، التي لطالما شكلت رمزا للنضال السياسي والاجتماعي للفلسطينيين في الداخل، كانت في صدارة المشهد الاحتجاجي، منها انطلقت الدعوات الأولى للإضراب، ومنها كان من المقرر أن تنطلق المسيرة المركزية التي رافقت الإضراب، في تعبير عن الدور التاريخي للمدينة في قيادة الحراك الجماهيري.
معركة قانونية من أجل حق التظاهر
بالتوازي مع الإضراب، شهدت سخنين تطورا قانونيا لافتا بعد أن تراجعت الشرطة الإسرائيلية عن القيود التي كانت قد فرضتها على المسيرة الاحتجاجية، وجاء هذا التراجع عقب التماس عاجل قدمته المحامية هديل أبو صالح من مركز عدالة الحقوقي إلى المحكمة العليا، باسم رئيس بلدية سخنين مازن غنايم، اعتراضا على الشروط التي فرضتها الشرطة على مسار المسيرة.
وكانت الشرطة قد اشترطت إنهاء المسيرة عند محطة الوقود الأولى على مدخل المدينة، على بعد نحو 1.5 كيلومتر من مركز شرطة مسغاف، مبررة ذلك بمحدودية القوى البشرية، غير أن المحكمة العليا قررت عقد جلسة عاجلة وألزمت الشرطة بتقديم ردها حتى الساعة 08:30 صباحا، قبل أن تعلن الأخيرة تراجعها عن شرط مسار المسيرة، ما دفع مقدمي الالتماس إلى سحبه.
حقوقيون اعتبروا هذا التراجع إنجازا قانونيا مهما في مواجهة القيود المتزايدة التي تفرضها الشرطة الإسرائيلية على الحق في التظاهر وحرية التعبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمجتمع العربي في إسرائيل، وخلال الجلسة، أعرب القاضي عن استيائه من تكرار وصول قضايا مشابهة إلى المحكمة العليا دون مبررات مقنعة، معتبرا أن المساس بحق التظاهر بات نهجا مقلقا يستدعي مراجعة جادة من قبل الشرطة.
مظاهرة قطرية ومطالب واضحة
في أعقاب التراجع عن القيود، تقرر تنظيم المظاهرة القطرية عند مفرق الجميجمة يوفاليم، على أن تنطلق الساعة 14:30 من النصب التذكاري في سخنين باتجاه المفرق، ورفع المشاركون شعارات تندد بتفشي الجريمة المنظمة وإطلاق النار وفرض الإتاوات، مطالبين بوضع خطة حكومية مهنية وشاملة لمكافحة العنف في المجتمع العربي، بدل الاكتفاء بالوعود والتصريحات.
لجنة المتابعة العليا أكدت في بيان صدر اليوم الخميس أن إنجاح الإضراب العام واجب شخصي وعائلي ووطني واجتماعي وسياسي، مشددة على أن الجريمة المنظمة ليست قدرا محتوما، وأن الخوف ليس خيارا يمكن القبول به، وأضاف البيان أن تفشي الجريمة يتم في ظل رعاية أو على الأقل تقاعس من المؤسسة الإسرائيلية، داعيا إلى تصعيد النضال الشعبي حتى تحقيق تغيير حقيقي في السياسات الأمنية.
مجتمع يعيش تحت التهديد
خلف هذا الحراك الشعبي تقف أرقام صادمة لضحايا العنف داخل المجتمع العربي، حيث ارتفع عدد القتلى خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة، كثير من العائلات فقدت أبناءها في جرائم إطلاق نار، فيما يعيش آخرون تحت تهديد دائم بسبب ابتزاز العصابات وفرض الإتاوات على أصحاب المصالح.. هذا الواقع خلق شعورا عاما بانعدام الأمان، وأدى إلى تآكل الثقة بين المواطنين والشرطة.
القيادات المحلية والسياسية العربية توجه اتهامات مباشرة للشرطة الإسرائيلية بالتقصير المتعمد، مشيرة إلى نسب متدنية جدا في حل ملفات القتل داخل البلدات العربية مقارنة بالمجتمع اليهودي، ويرى كثيرون أن هذا الفشل ليس تقنيا فقط، بل يعكس سياسة تمييزية تساهم في تعميق الفجوة وتعزيز شعور الإقصاء.
أبعاد اجتماعية ونفسية
تداعيات العنف لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي برمته، المدارس تتأثر، والاقتصاد المحلي يتراجع، والأطفال ينشأون في بيئة يسودها الخوف وعدم الاستقرار، الإضراب العام جاء ليعبر عن هذه المعاناة المركبة، وليقول إن المجتمع العربي لم يعد قادرا على التعايش مع هذا الواقع.
يشكل الفلسطينيون في الداخل المحتل عام 48 نحو 20 في المئة من سكان إسرائيل، ويواجهون منذ عقود سياسات تمييز ممنهجة في مجالات التخطيط والبناء والتعليم والأمن، خلال العقد الأخير، تصاعدت ظاهرة الجريمة المنظمة داخل البلدات العربية بشكل لافت، وسط اتهامات متكررة للشرطة الإسرائيلية بعدم الجدية في مكافحتها، ورغم تشكيل لجان حكومية وإطلاق خطط معلنة فإن النتائج على الأرض بقيت محدودة، ما دفع القيادات العربية إلى تبني أساليب نضال جماهيرية، مثل الإضرابات الشاملة، للضغط من أجل تغيير السياسات وضمان الحق الأساسي في الأمن والحياة الكريمة.










