في يومه الدولي.. "التعايش السلمي" خط الدفاع الأخير للإنسانية في مواجهة الكراهية

يُحتفل به 28 يناير من كل عام

في يومه الدولي.. "التعايش السلمي" خط الدفاع الأخير للإنسانية في مواجهة الكراهية
عملُ "الكون المتنوِّر" للفنّان الإسباني كريستوبال غابارّون

في زمنٍ تتسارع فيه الحروب وتتعمّق الانقسامات، لم يعد التعايش السلمي شعارًا أخلاقيًا أو خطابًا مثاليًا، بل أصبح حاجة إنسانية ملحّة لحماية المجتمعات من التفكك، والدول من الانهيار، والأفراد من أن تتحول اختلافاتهم إلى كراهية، والكراهية إلى عنف، والعنف إلى حرب.

وفي خضم هذا المشهد العالمي المضطرب، يطل اليوم الدولي للتعايش السلمي كمنصة دولية لإذكاء الوعي بقيمة التعايش، وإعادة تذكير العالم بأن السلام ليس مجرد غياب للحروب، بل قدرة على العيش معًا في ظل اختلافاتنا، أيًا كانت في الجنس أو العِرق أو اللسان أو الدين أو الثقافة، مع صون العدالة وحقوق الإنسان التي تتيح إمكان هذا التعايش.

وتؤكد الأمم المتحدة، عبر نصوصها الأساسية، أن السلام ليس مجرد حالة سلبية، بل مسارا متواصلا وغاية طويلة الأمد تتطلب رعاية دائمة ويقظة مستمرة ومشاركة فاعلة من الجميع.

والسلام، ليس غياب الحروب، بل هو القدرة على العيش معًا مع اختلافاتنا، مع صون العدالة وحقوق الإنسان التي تتيح هذا التعايش، وهنا يكمن جوهر اليوم الدولي للتعايش السلمي: الانتقال من فكرة "عدم الحرب" إلى مفهوم "بناء مجتمع شامل وآمن".

جدول أعمال 2030

يأتي هذا اليوم في سياق يتقاطع مع جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة، حيث يُعد السلام أحد أعمدته الخمسة إلى جانب الناس والكوكب والازدهار والشراكة.

والأهم أن هذا الجدول لم ينظر إلى السلام كهدف منفصل، بل كشرط لتحقيق التنمية نفسها، إذ لا يمكن بناء مجتمعات عادلة أو اقتصادات مزدهرة أو تعليم حقيقي دون بيئة آمنة ومستقرة، تضمن الحقوق والمساواة والكرامة.

وفي هذا الإطار، يؤكد جدول أعمال 2030 ضرورة بناء مجتمعات يعمّها السلام والعدالة والشمول، خالية من الخوف والعنف.

اليوم الدولي للتعايش السلمي

في 4 مارس 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 269/79 الذي أعلن يوم 28 يناير يومًا دوليًا للتعايش السلمي، وقد جاء هذا القرار في ظل تصاعد النزاعات وتنامي الانقسامات، وانعكاس ذلك على حياة ملايين البشر، وما يرافقه من تدهور لحقوق الإنسان وتزايد لخطاب الكراهية والتعصب.

وجاء القرار ليرسخ فكرة أن التعايش السلمي ليس مسؤولية حكومات فقط، بل هو التزام عالمي يخص الدول والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والأفراد، ويستلزم جهودًا مشتركة لترسيخ التسامح واحترام التنوع الديني والثقافي وصون حقوق الإنسان.

يتأسس اليوم الدولي للتعايش السلمي على مجموعة من الوثائق الأممية التي تشكل ركائز قانونية وأخلاقية لهذا المفهوم، وهي:

ميثاق الأمم المتحدة

هو حجر الأساس في القانون الدولي، ويؤكد على المبادئ الجوهرية للتعايش السلمي، مثل: المساواة في السيادة بين الدول، تسوية المنازعات بوسائل سلمية، حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها، تعزيز العلاقات الودية بين الأمم.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

يرسخ الإعلان قاعدة أصيلة للتعايش السلمي عبر: إعلاء كرامة البشر ومساواتهم وحقوقهم، وحماية الحريات ومنع التمييز بأي شكل من أشكال العِرق أو الدين أو الثقافة، وبناء مجتمع يحترم التنوع ويضمن العدالة.

إعلان وبرنامج عمل بشأن ثقافة السلام

يضع الإعلان إطارًا عمليًا للنهوض باللاعنف والتسامح والحوار والفهم المتبادل ويؤكد على: التعليم وحقوق الإنسان، المساواة والحَوْكمة التشاركية، ومعالجة جذور النزاع، وتعزيز الثقة داخل المجتمعات وبين الدول.

مواجهة خطاب الكراهية

يُعتبر خطاب الكراهية من أبرز التهديدات للتعايش السلمي، لأن تأثيره لا يتوقف عند الكلمات، بل يتجاوز ذلك إلى: تحريض على العنف، وتعميق التعصب، وتدمير الثقة بين المجتمعات.

وفي ظل تقنيات الاتصالات الحديثة، تتسع مساحة انتشار الكراهية بسرعة غير مسبوقة، ما يجعل مكافحة خطاب الكراهية جزءًا لا يتجزأ من بناء ثقافة السلام.

هكذا يصبح اليوم الدولي للتعايش السلمي ليس مجرد احتفال، بل دعوة للتفعيل: تفعيل التعليم كوسيلة لترسيخ التسامح، وتفعيل الحوار كبديل للعنف، وتفعيل العدالة كشرط للتعايش، وتفعيل الحقوق كأداة لبناء مجتمع شامل.

ويعني ذلك أن السلام ليس رؤية سامية للبشرية فحسب، بل هو نداء إلى العمل، فبوسع كل فرد أن يختار السلام والتفاهم بدل الانقسام، وأن يسهم في إصلاح شروخ المجتمع، وأن يكون التغيير الذي ينشده.

وهذا هو جوهر اليوم الدولي للتعايش السلمي: ليس يومًا للاحتفال فحسب، بل يومًا لتذكير العالم بأن السلام يبدأ من داخل كل مجتمع، وأنه يتحقق حين تتحول قيم التسامح والاحترام وحقوق الإنسان إلى ممارسة يومية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية