شبكة من النشطاء.. "مينيابوليس" تتحول لساحة مواجهة حقوقية مع إدارة الهجرة
شبكة من النشطاء.. "مينيابوليس" تتحول لساحة مواجهة حقوقية مع إدارة الهجرة
كشفت مشاهد مطاردة سيارات، وعمليات مراقبة شعبية، واحتجاجات سلمية واسعة، عن تصدعٍ عميق في العلاقة بين المجتمعات المحلية وإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، في واقعة لم تعد محصورة في إنفاذ قوانين الهجرة، بل امتدت لتلامس جوهر الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية، والحق في الاحتجاج السلمي، والحق في مراقبة السلطة العامة.
داخل أحياء مينيابوليس الهادئة، تحوّلت شوارع المدينة إلى مسرح مفتوح لصراع حقوقي غير مسبوق، حيث واجه نشطاء مدنيون، معظمهم سلميون، أجهزة إنفاذ فيدرالية مدججة بالسلاح، في واحدة من أوسع موجات العصيان المدني منذ حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وفق توصيف مجلة "الإيكونوميست" اليوم.
وثّقت المجلة البريطانية مشهدًا دقيقًا وقع في تمام الساعة العاشرة صباحًا من يوم 28 يناير في شمال مينيابوليس، عندما دخل محامي الحقوق المدنية والناشط على وسائل التواصل الاجتماعي، ويل ستانسيل، في مطاردة سيارة دفع رباعي حكومية سوداء تقل ضباطًا فيدراليين يُعتقد أنهم من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.. على مدار ما يقارب أربعين دقيقة، تجاوزت السيارة إشارات المرور، وانعطفت بشكل مفاجئ، وقادت بتهور داخل حي سكني، بينما كان ستانسيل وراكبان آخران يتبعونها، مستخدمين تطبيق "سيجنال" للتواصل مع شبكات أوسع من النشطاء.
روى محامي الحقوق المدنية ويل ستانسيل لـ"لإيكونوميست"، وهو يجيب على مكالمات واردة عبر التطبيق، تفاصيل تحركات السيارة والشوارع المتقاطعة، في مشهد شبّهته المجلة بعمليات الشرطة نفسها، لكن بوسائل مدنية.
ومع اقتراب نفاد الوقود، حاول ستانسيل وزملاؤه حشد مركبات إضافية لمواصلة المتابعة، في وقت كانت فيه تقارير متزامنة تتحدث عن رصد سيارات لإدارة الهجرة والجمارك في مناطق أخرى من المدينة، ما دفع النشطاء، الذين يطلقون على أنفسهم اسم "المتنقلين"، للتنقل بين مجموعات مختلفة داخل التطبيق.
توسّعت هذه الممارسات، بحسب المجلة البريطانية، خلال الأسابيع القليلة الماضية لتتحول إلى ظاهرة واسعة النطاق تهدف إلى مراقبة عملية "مترو سيرج"، وهي حملة إنفاذ هجرة مكثفة في مينيسوتا، وتعطيلها في الوقت ذاته.
وجاء هذا التحرك ردًا على مشاهد متكررة لإخراج مهاجرين ومواطنين من سياراتهم بالقوة، ورشهم برذاذ الفلفل، وضربهم، وهي وقائع أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا، دفع آلاف السكان للانضمام إلى مجموعات "سيجنال"، فيما كرّس المئات وقتهم يوميًا لتعقب تحركات ضباط فيدراليين ملثمين.
من المراقبة إلى الدم
أشار تقرير "الإيكونوميست" إلى أن هذا النمط من الاحتجاج بدأ في لوس أنجلوس، ثم تطور في شيكاغو خلال العام الماضي، قبل أن يبلغ ذروته في مينيابوليس، حيث ينتشر الآن في مدن ليبرالية أخرى تستعد لمواجهات مماثلة.
وترى المجلة أن هذا التحول يعكس انتقال الاحتجاجات ضد إدارة دونالد ترامب من التجمعات التقليدية والتنظيم الانتخابي إلى العمل المباشر، معتبرة أن ما يحدث قد يكون أحد أهم أشكال العصيان المدني في الولايات المتحدة منذ حركة الحقوق المدنية.
تحوّلت هذه المواجهة الحقوقية إلى مأساة، عندما قُتل اثنان على يد عملاء من إدارة الهجرة والجمارك وحماية الحدود، في 7 يناير، قُتلت رينيه نيكول غود، البالغة من العمر 37 عامًا، وهي أم لثلاثة أطفال، وفي 24 يناير، قُتل أليكس بريتي، البالغ من العمر 37 عامًا، وهو ممرض يعمل في وحدة العناية المركزة.
فنّدت المجلة الروايات الرسمية التي صدرت في البداية عن إدارة ترامب، والتي وصفت الضحايا بأنهم "إرهابيون محليون" فقد زعمت السلطات أن رينيه غود حاولت دهس أحد الضباط، وأن أليكس بريتي كان يخطط لـ"مذبحة"، غير أن مقاطع الفيديو، التي التقطها نشطاء ومارّة، أظهرت أن غود كانت تدير ظهرها للضابط جوناثان روس وتتحرك ببطء عندما أُطلق عليها النار، فيما كان بريتي يحمل سلاحًا مرخصًا لكنه جُرّد منه قبل أن يُطلق عليه الرصاص عشر مرات، بعضها وهو ملقى على الأرض.
أحدثت هذه المقاطع صدمة واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وأثارت تساؤلات حتى داخل صفوف الجمهوريين، وفي 26 يناير، أعلن الرئيس دونالد ترامب إبعاد غريغ بوفينو، وهو ضابط كبير في دوريات الحدود وُصف بأنه الوجه الأبرز لحملة القمع في مينيابوليس، إلى جانب عدد من عملائه.
كما أجرى ترامب اتصالات مع حاكم ولاية مينيسوتا، تيم والز، وعمدة مينيابوليس، جاكوب فراي، متحدثًا عن تهدئة محتملة للأوضاع.
احتجاجات واسعة
تزامن هذا التصعيد مع استعدادات واسعة لاحتجاجات جديدة، بحسب ما نقلته صحيفة "الغارديان" فقد أعلن منظمو حركة "لا للملوك" عن تنظيم احتجاج ثالث في 28 مارس، يتوقع أن يكون –وفق تصريح المؤسس المشارك لمنظمة "إنديفيزيبل"، عزرا ليفين– "الأكبر في تاريخ أمريكا".
وستقام الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، مع فعالية رئيسية في مدينتي التوأم، مينيابوليس وسانت بول، حيث وقعت عمليتا القتل.
وأوضح المؤسس المشارك لمنظمة "إنديفيزيبل" عزرا ليفين لصحيفة "الغارديان" أن هذه الاحتجاجات جاءت ردًا على ما وصفه بـ"الممارسات المرعبة" لإدارة الهجرة والجمارك ووزارة الأمن الداخلي داخل المجتمعات المحلية.
وأشار إلى أن التحالف الداعم للاحتجاجات نظّم، عقب مقتل رينيه غود، أكثر من ألف مظاهرة ووقفة حداد وفعاليات أخرى في إطار حملة حشد جماهيري واسعة.
استندت الصحيفة إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة "يوغوف"، أظهر أن عدد الأمريكيين المؤيدين لإلغاء إدارة الهجرة والجمارك يفوق عدد المعارضين لها، كما نقلت عن ليفين توقعه أن تكون احتجاجات "لا للملوك 3" سلمية وقانونية، مع تأكيد التحالف على نبذ العنف وتدريب المنظمين على تهدئة التوتر.
قدّرت الحركة أن احتجاجات "لا للملوك" السابقة، التي جرت في أكتوبر، شارك فيها نحو سبعة ملايين شخص، فيما يطمح المنظمون إلى جذب تسعة ملايين في الاحتجاج المقبل.
وأشارت "الغارديان" إلى أن الحركة تضم تحالفًا واسعًا يشمل منظمات قانونية مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، ونقابات عمالية، وجماعات مناصرة مثل حركة "حياة السود مهمة".
الفن كأرشيف للذاكرة
دخل الفن على خط هذه المواجهة الحقوقية، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز"، عندما أصدر المغني الأمريكي بروس سبرينغستين أغنية احتجاجية بعنوان "شوارع مينيابوليس"، مهداة إلى ذكرى أليكس بريتي ورينيه غود.
أوضحت الوكالة أن سبرينغستين كتب الأغنية في اليوم الذي قُتل فيه بريتي، واصفًا ما يحدث في المدينة بـ"حالة الرعب" التي فرضتها حملات الهجرة العدوانية.
وقال سبرينغستين، البالغ من العمر 76 عامًا، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الأغنية مهداة إلى أهالي مينيابوليس وجيرانهم المهاجرين الأبرياء، وإلى ذكرى الضحيتين.
وتغني الأغنية، وفق رويترز، بمقاومة السكان "الدخان والرصاص، واستخدامهم "الصفارات والهواتف" لمواجهة ما وصفه بـ"الأكاذيب القذرة".
كما فنّدت "رويترز" مزاعم وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم، ومستشار الأمن الداخلي للرئيس دونالد ترامب، ستيفن ميلر، اللذين وصفا بريتي بأنه حاول قتل عملاء فيدراليين، مشيرة إلى أن مقاطع الفيديو دحضت هذه الادعاءات.
واختتمت الوكالة بالإشارة إلى أن الأغنية تنتهي بعبارة "سنتذكر أسماء من سقطوا في شوارع مينيابوليس"، في توثيق فني لضحايا مواجهة لا تزال مفتوحة.










