دون سن 16 عاماً.. إسبانيا واليونان تتحركان لحماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي
دون سن 16 عاماً.. إسبانيا واليونان تتحركان لحماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي
في ظل تصاعد القلق الأوروبي من التأثيرات النفسية والسلوكية المتنامية للفضاء الرقمي على الأطفال، تتجه دول عدة إلى تشديد سياساتها تجاه منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لإعادة رسم حدود العلاقة بين القاصرين والعالم الافتراضي، وبينما تتزايد التحذيرات من مخاطر الإدمان الرقمي وخطاب الكراهية والمحتوى غير الآمن، برزت مؤخراً إسبانيا واليونان كنموذجين لدول تسعيان إلى نقل المواجهة من مستوى التوصيات إلى مستوى التشريع، عبر فرض قيود عمرية أكثر صرامة وتحميل شركات التكنولوجيا مسؤوليات قانونية مباشرة، في مسار يعكس تحولا أوروبيا أوسع نحو حماية الطفولة في عصر المنصات المفتوحة.
أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيث اليوم الثلاثاء عن توجه حكومي لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي على من هم دون سن 16 عاما، إلى جانب إعداد قانون جديد يحمل المسؤولين التنفيذيين في هذه المنصات مسؤولية شخصية عن خطاب الكراهية المنشور عبرها، وتأتي هذه الخطوة في سياق قلق متزايد داخل إسبانيا وأوروبا بشأن تأثير المنصات الرقمية على الأطفال والمراهقين، وما تسببه من أضرار نفسية واجتماعية بعيدة المدى وفق وكالة رويترز.
إعلان سانتشيث يعكس تحولا لافتا في مقاربة الحكومات الأوروبية لتنظيم الفضاء الرقمي، ويضع إسبانيا في صف دول تتجه نحو تشديد القوانين على شركات التكنولوجيا الكبرى، بعد تصاعد الجدل حول حماية القاصرين ومكافحة المحتوى الضار وخطاب الكراهية.
حماية الطفولة أولوية سياسية
خلال كلمة ألقاها في قمة الحكومات العالمية في دبي، شدد سانتشيث على أن الأطفال اليوم يتعرضون لبيئة رقمية لم يكن من المفترض أن يواجهوها وحدهم، مؤكدا أن حكومته لن تقبل باستمرار هذا الواقع، وأوضح أن الهدف من الإجراءات المقترحة هو حماية القاصرين من انفلات العالم الرقمي، والدفاع عن حقهم في نمو صحي ومتوازن بعيدا عن الضغوط النفسية والعنف الرمزي المنتشر على المنصات الاجتماعية.
ودعا رئيس الوزراء الإسباني الدول الأوروبية الأخرى إلى تبني خطوات مماثلة، معتبرا أن هذه المعركة تتجاوز حدود أي دولة بعينها، وتتطلب تنسيقا عابرا للحدود لمواجهة تحديات رقمية عالمية.
تنسيق أوروبي عابر للحدود
كشف سانتشيث أن إسبانيا انضمت إلى مجموعة تضم 5 دول أوروبية أخرى، تعمل على تنسيق وإنفاذ القوانين المتعلقة بمنصات التواصل الاجتماعي عبر الحدود، وأشار إلى أن هذه المجموعة تعتزم عقد اجتماعها الأول خلال الأيام القليلة المقبلة، دون الإفصاح عن أسماء الدول المشاركة. ويعكس هذا المسار إدراكا أوروبيا متزايدا بأن شركات التكنولوجيا الكبرى تعمل بمنطق عالمي، ما يستدعي استجابة قانونية منسقة قادرة على فرض الالتزام بالقوانين الوطنية والأوروبية.
وفي السياق ذاته، نقلت رويترز عن مسؤول حكومي كبير في اليونان قوله إن بلاده تقترب جدا من إعلان حظر استخدام القاصرين دون سن 15 عاما لمنصات التواصل الاجتماعي، ما يؤكد أن التوجه الإسباني ليس معزولا، بل جزء من موجة أوسع داخل القارة الأوروبية.
مساءلة التنفيذيين عن خطاب الكراهية
إلى جانب حظر القاصرين، تعتزم الحكومة الإسبانية سنّ قانون يحمل المديرين التنفيذيين لمنصات التواصل مسؤولية شخصية عن أي محتوى يحض على الكراهية أو العنف، ويعد هذا التوجه من أكثر الإجراءات صرامة، إذ ينقل المسؤولية من مستوى الشركة إلى مستوى الأفراد الذين يديرونها، في محاولة لردع التجاوزات وضمان التزام فعلي بمعايير حماية المستخدمين.
ولم تصدر حتى الآن أي ردود رسمية من شركات إكس وجوجل وتيك توك وسناب شات وميتا على هذه المقترحات، رغم طلبات التعليق التي وجهت إليها.
الذكاء الاصطناعي في قلب الجدل
يتزامن هذا الحراك السياسي مع تصاعد القلق العالمي من ممارسات بعض أدوات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها روبوت الدردشة غروك التابع لمنصة إكس، وخلص تحقيق أجرته رويترز إلى أن الروبوت المدعوم بالذكاء الاصطناعي يواصل توليد صور فاضحة لأشخاص حتى في الحالات التي يتم فيها تحذيره صراحة من عدم موافقة أصحاب الصور أو من خطورة الإساءة الناتجة عنها.
وأشارت رويترز إلى أن شركة إكس، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، أعلنت في وقت سابق فرض قيود جديدة على المحتوى المفتوح الذي ينتجه غروك، عقب موجة غضب عالمية بسبب إنتاجه صورا فاضحة لنساء وبعض الأطفال دون الحصول على موافقة، وشملت هذه القيود حظر إنتاج الصور الفاضحة في المنشورات المفتوحة وفرض قيود إضافية في ولايات قضائية غير محددة حيث يعد هذا المحتوى غير قانوني.
نتائج مقلقة رغم القيود
اختبر 9 مراسلين من رويترز قدرات غروك عبر سلسلة من الأوامر خلال فترتين في شهر يناير، وخلال الفترة الأولى بين 14 و16 يناير، استجاب الروبوت بإنتاج صور فاضحة في 45 حالة من أصل 55 طلبا، وفي 31 من هذه الحالات، تم تنبيهه إلى حساسية الطلب وخطورته، ومع ذلك استمر في التنفيذ، بل وأنتج صورا مهينة في 17 حالة رغم التحذير من أن الغرض هو الإهانة.
وفي تجربة ثانية أجريت يومي 27 و28 يناير، وبعد إعلان القيود الجديدة، قدم المراسلون 43 طلبا إضافيا، فاستجاب غروك بإنتاج صور فاضحة في 29 حالة، ولم تتمكن رويترز من الجزم بما إذا كان انخفاض معدل الاستجابة ناتجا عن تعديلات فعلية في النموذج أو السياسات، أم أنه حدث بشكل عشوائي.
صمت الشركات وقلق الجهات الرقابية
لم تقدم إكس ولا شركة إكس.إيه.آي المشغلة لغروك إجابات تفصيلية عن هذه النتائج، واكتفت الأخيرة بإرسال رد نمطي يشكك في مصداقية وسائل الإعلام التقليدية، في المقابل، لاقى إعلان إكس عن فرض القيود ترحيبا حذرا من مسؤولين وهيئات في دول مثل بريطانيا والفلبين وماليزيا، بينما أبدت المفوضية الأوروبية موقفا أكثر تحفظا، مؤكدة في 26 يناير أنها ستقيم هذه التغييرات بعناية ضمن تحقيق جار.
أبعاد إنسانية وتشريعية
تعكس هذه التطورات تزايد الوعي العالمي بالمخاطر التي يفرضها الاستخدام غير المنضبط لمنصات التواصل والذكاء الاصطناعي، خاصة على الأطفال والنساء والفئات الضعيفة، فالمحتوى الضار وخطاب الكراهية والصور المزيفة لا تقتصر آثارها على الفضاء الرقمي، بل تمتد إلى الواقع الاجتماعي، مسببة أذى نفسيا وسمعة مشوهة وانتهاكا للكرامة الإنسانية.
ويرى خبراء أن تحميل الشركات ومسؤوليها التنفيذيين مسؤوليات قانونية مباشرة قد يشكل نقطة تحول في ضبط هذا القطاع، إذا ما اقترن بآليات تنفيذ فعالة وتعاون دولي حقيقي.
خلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل العالمي حول تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، مع صدور دراسات تربط بين الإفراط في استخدام الشاشات وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتنمر الرقمي، وفي ديسمبر 2024، أصبحت أستراليا أول دولة في العالم تحظر استخدام منصات التواصل على من هم دون سن 16 عاما، ما فتح الباب أمام دول أخرى لدراسة إجراءات مماثلة، وفي أوروبا، يعمل الاتحاد الأوروبي على تطبيق حزمة من القوانين الرقمية التي تهدف إلى تنظيم المحتوى، وحماية البيانات، ومحاسبة الشركات الكبرى، ويأتي التوجه الإسباني في هذا السياق العام، ليعكس محاولة جادة لإعادة التوازن بين حرية التعبير وحماية الكرامة الإنسانية، في عالم باتت فيه التكنولوجيا جزءا لا ينفصل عن الحياة اليومية، لكنه يحمل في طياته مخاطر لا يمكن تجاهلها.










