مؤشر حرية الصحافة 2025.. "تكميم الأفواه" يحمي الفساد ويعزز الاستبداد
مؤشر حرية الصحافة 2025.. "تكميم الأفواه" يحمي الفساد ويعزز الاستبداد
يواجه العالم اليوم موجة من التراجع في حريات الصحافة لا تخطئها العين، حيث يجد الفاسدون في هذا التدهور فرصة ذهبية للثراء بعيداً عن أعين الرقابة، وتشير الأرقام والبيانات الصادرة عن كبريات المؤسسات البحثية والحقوقية إلى أن قلة التدقيق تعني بالتبعية ثراءً أكبر لطبقة من السياسيين الذين يضيقون ذرعاً بصحافة قد تكون مثيرة للغضب أحياناً، أو مبالغة في تبسيط الأمور، إلا أنها تظل الضابط الضروري لسلطة الدولة.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه الثقة في وسائل الإعلام عالمياً، يبرز السؤال الجوهري: كيف تستخدم الأنظمة التي تدعي الديمقراطية أدوات استبدادية لتكميم أفواه الصحافة وحماية فسادها؟
حللت مجلة "الإيكونوميست" بيانات مكثفة شملت حوالي 180 دولة على مدى السنوات الثمانين الماضية، استناداً إلى أرقام جمعها مشروع V-Dem البحثي السويدي، لتكشف عن وجود "حلقة مفرغة" تربط بين تكميم أفواه الإعلام وإطلاق العنان للفساد.
وبحسب نتائج هذا التحليل، فإن السياسيين الراغبين في نهب المال العام يملكون حافزاً مباشراً لإسكات الصحافة، فكلما زاد التكميم، سهلت عملية السرقة، وكلما تراكمت الأسرار المشينة، ازداد الشغف بقمع التقارير النقدية المستقبلية.
وتؤكد البيانات الإحصائية أن تدهور حرية الصحافة من مستوى "جيد ككندا" إلى "سيء كإندونيسيا" يعد مؤشراً قوياً على أن الفساد سيتفاقم من "نظافة أيرلندا" إلى "قذارة لاتفيا"، وهي عملية تدريجية قد لا يلحظها الناخبون إلا بعد فوات الأوان.
وسجل تقرير الديمقراطية لعام 2025 الصادر عن “معهد V-Dem السويدي” الذي تشرف عليه نائبة مدير المعهد، الأكاديمية آنا لورمان، أن مستويات الديمقراطية العالمية قد تراجعت إلى ما كانت عليه في منتصف الثمانينيات.
يؤكد التقرير أن "حرية التعبير" هي أولى الحريات التي يتم التضحية بها عند التحول نحو الاستبداد، حيث يرتبط هذا التراجع طردياً بزيادة معدلات الرشوة واختلاس المال العام.
ويرى الباحثون في المعهد أن الأنظمة الهجينة باتت تستخدم قوانين حماية الخصوصية الرقمية ليس لحماية الأفراد، بل لحماية السياسيين من المساءلة، وتتبع هواتف الصحفيين لتحديد مصادرهم وإرهاب المبلغين عن الفساد.
التكنولوجيا أداة للملاحقة
تستخدم الحكومات التي تدعي الديمقراطية أساليب دهاء فائقة لخلق بيئة إعلامية لا يسمع فيها الناخبون سوى مديح الحزب الحاكم، يشمل ذلك تعيين المطيعين لإدارة هيئات البث العامة، وتوجيه ميزانيات الإعلانات الحكومية نحو الصحف الصديقة، في حين تُمارس الضغوط على الشركات الخاصة لمقاطعة الوسائل الناقدة، وفي 160 دولة من أصل 180 شملها استطلاع منظمة "مراسلون بلا حدود" لعام 2025، تعاني وسائل الإعلام من وضع مالي هش للغاية، ما يجعلها صيداً سهلاً لأصحاب النفوذ المقربين من السلطة الذين يستحوذون عليها لإضعافها من الداخل.
أكدت منظمة "مراسلون بلا حدود" في مؤشرها العالمي لعام 2025 الذي أشرف على تقديمه مدير مكتب المنظمة في بروكسل، الحقوقي جولي بيكار، أن حرية الصحافة بلغت "الحضيض" في مناطق واسعة من العالم.
يوضح التقرير أن تدهور الوضع العالمي انتقل من حالة كانت تشبه وضع أمريكا اليوم إلى وضع "قاتم" يضاهي صربيا، حيث يتعرض الصحفيون الذين يغطون احتجاجات الفساد للضرب المبرح بشكل روتيني على أيدي الشرطة.
وترصد المنظمة كيف يتم استغلال أموال دافعي الضرائب للترويج لتغطية إعلامية متملقة، مع ملاحقة الصحفيين الأفراد بعمليات تدقيق ضريبي مستمرة ودعاوى قضائية كيدية تهدف إلى استنزاف موارد المؤسسات المستقلة.
تعرضت الصحفيات بشكل خاص لاستهداف ممنهج، حيث كشف مسح أجرته الأمم المتحدة أن 75% من الصحفيات واجهن الإساءة عبر الإنترنت، و42% تعرضن للمضايقة وجهاً لوجه، وغالباً ما يتم استغلال قوانين الأمن القومي أو قوانين "الأخبار الكاذبة" لملاحقة الأكثر إصراراً منهم بتهم لا علاقة لها بالعمل المهني.
ففي الفلبين، على سبيل المثال، قضت المحاكم بسجن الصحفية فرينشي-ماي كومبيو لسنوات طويلة بتهمة "تمويل الإرهاب"، رغم تأكيدها أن الأسلحة التي ضُبطت في شقتها قد زُرعت عمداً لتكميم صوتها الناقد لتجاوزات قوات الأمن.
غياب المحاسبة
من جانبه، أعلن الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) في تقريره السنوي الصادر في ديسمبر 2025، والذي أعده الأمين العام للاتحاد، النقابي أنطوني بيلانجر، عن مقتل 111 صحفياً خلال العام، مشدداً على أن "الإفلات من العقاب" هو المحرك الأساسي لاستمرار الانتهاكات.
ويشير التقرير إلى أن استهداف الصحفيين لم يعد مقتصرًا على مناطق النزاع المسلح، بل أصبح استراتيجية في دول تمر بحالة استقرار ظاهري، حيث يتم "تصفية" الأصوات التي تبحث في ملفات غسيل الأموال ونهب الموارد الطبيعية.
ويرى الاتحاد أن غياب الضغوط الدبلوماسية الدولية، ولا سيما بعد تراجع الدور الأمريكي في الدفاع عن حرية التعبير خلال فترات معينة، منح الحكام المستبدين من أذربيجان إلى السلفادور "شيكاً على بياض" لسجن الصحفيين دون عواقب.
انتهز الحكام المستبدون فرصة انشغال العالم بالأزمات الجيوسياسية لتصعيد قمعهم، حيث لم تعد الحكومات تكتفي بإسكات الحقيقة، بل تسعى لنشر "همسات خافتة" فقط للمعارضة وسط ضجيج من البروباجندا الرسمية.
وتوضح بيانات معهد V-Dem أن الأنظمة الديكتاتورية باتت تلجأ لقطع الإنترنت بشكل كامل عند تصاعد الغضب الشعبي، كما حدث في إيران وأوغندا، في حين تفضل الديمقراطيات المعيبة استخدام "الرقابة الرقمية" والتجسس على هواتف الصحفيين لاختراق خصوصيتهم وتسريب صور محرجة قد توجد على أجهزتهم لتشويه سمعتهم أمام العامة.
وقد تراجع الدعم المالي الدولي لوسائل الإعلام الأجنبية المستقلة بشكل ملحوظ، ما أدى لإغلاق منافذ كانت توفر أخباراً بديلة في مناطق منغلقة مثل كوريا الشمالية والتبت.
تدمير بيئة جمع الأخبار
يوضح تحليل "الإيكونوميست" أن تدمير بيئة جمع الأخبار النشطة يصعب إعادة بنائه مرة أخرى، وأن العالم الذي تقل فيه حرية الصحافة لن يكون فقط مكاناً يسوده الصمت، بل سيكون مكاناً أكثر تلوثاً وسوءاً في الحكم، فالحرية الصحفية ليست "رفاهية" لطبقة متوسطة، بل هي حق أساسي يعتمد عليه بقاء سائر الحريات، وغيابها يعني ببساطة أن الانتهاكات ستستمر وتتوسع طالما ضمن الفاعلون أنها لن تُكشف أو تُنشر.
يُدافع القمعيون غالباً عن حملاتهم بدعوى ضرورة "خضوع الإعلام للمساءلة"، لكنهم يتجاهلون أن الصحافة خاضعة بالفعل للمساءلة عبر إلغاء الاشتراكات، وقوانين التشهير العادلة، واستقالات المسؤولين عند وقوع فضائح مهنية.
وبحسب تقارير الاتحاد الدولي للصحفيين، فإن الفارق الجوهري يكمن في أن مساءلة الصحفي في الأنظمة الحرة تتم عبر المؤسسات والقراء، أما في الأنظمة الفاسدة فتتم عبر "الزنازين" و"زراعة الأدلة".
وفي النهاية يبقى الرابط بين تراجع حرية الصحافة وازدهار الفساد حقيقة مدعومة بالأرقام: فكلما غابت الصحافة ووسائل الإعلام، زادت سرعة اختفاء الأموال العامة.











