إضراب المعلمين في دير الزور ودوما يكشف عمق أزمة الرواتب والاستقرار الوظيفي
إضراب المعلمين في دير الزور ودوما يكشف عمق أزمة الرواتب والاستقرار الوظيفي
تشهد مناطق من ريف دير الزور الشرقي تصعيدا لافتا في تحركات المعلمين بعد إعلان عدة مجمعات تربوية دخولها في إضراب عام بدءا من اليوم الثلاثاء، مع قرار إغلاق المدارس احتجاجا على تأخر صرف الرواتب وعدم حسم أوضاعهم الإدارية والوظيفية.
ويأتي هذا القرار في ظل ضغوط معيشية متزايدة يعاني منها العاملون في القطاع التعليمي في ريف دير الزور الشرقي، حيث أصبحت الرواتب المتأخرة هاجسا يوميا يهدد استقرارهم الشخصي والأسري، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وبحسب المرصد، فإن قرار الإضراب جاء بعد سلسلة اجتماعات داخل المجمعات التربوية، عبّر خلالها المعلمون عن استيائهم من استمرار الغموض حول آلية صرف المستحقات المالية، وتأخرها لفترات متكررة دون حلول واضحة، وانعكست هذه الأزمة بشكل مباشر على حياة المعلمين وأسرهم، ما دفعهم إلى اللجوء إلى الإضراب كوسيلة ضغط لإيصال صوتهم إلى الجهات المعنية.
تراكم الاستياء بين الكوادر التعليمية
يشير معلمون في المنطقة إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بتأخر راتب شهر واحد أو اثنين، بل أصبحت حالة مزمنة تتكرر دون وجود جدول زمني واضح لصرف الرواتب أو خطة لمعالجة الخلل الإداري، وهذا الواقع خلق حالة من التوتر داخل المدارس، وأدى إلى انخفاض القدرة الشرائية للمعلمين، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ.
ويقول بعض المعلمين إنهم اضطروا إلى العمل في مهن إضافية بعد انتهاء الدوام المدرسي، بينما لجأ آخرون إلى الاستدانة أو تقليص نفقات أساسية، ما أثّر على استقرارهم النفسي وعلى قدرتهم على التركيز في عملهم التربوي.
رسالة موجهة للجهات المعنية
قرار إغلاق المدارس لا يُعد خطوة اعتيادية في بيئة تعليمية تعاني أساسا من تحديات عديدة، لكنه جاء وفق ما يؤكد المعلمون كخطوة اضطرارية بعد استنفاد وسائل المطالبة الأخرى، ويرى المشاركون في الإضراب أن هذه الخطوة تهدف إلى لفت الانتباه إلى أوضاعهم الصعبة وإجبار الجهات المعنية على اتخاذ إجراءات ملموسة وسريعة لحل أزمة الأجور وتداعياتها.
ويؤكد معلمون أن استمرار الأزمة دون حلول سيؤثر على استمرارية العملية التعليمية، وقد يدفع مزيدا من الكوادر إلى ترك المهنة أو البحث عن فرص عمل بديلة خارج القطاع التربوي.
احتجاجات متزامنة في دوما
في تطور متزامن يعكس اتساع دائرة الاحتجاج، نفذ عدد من معلمي مدارس مدينة دوما في ريف دمشق وقفة احتجاجية داخل ساحة المجمع التعليمي، وتركزت مطالبهم على تثبيت المكلّفين والوكلاء والعاملين بعقود مؤقتة، وضمان حقوقهم الوظيفية التي يرون أنها مهددة بعد سنوات من العمل دون تثبيت رسمي.
رفع المحتجون شعارات تؤكد حقهم في الاستقرار الوظيفي وتحسين ظروفهم المعيشية، مطالبين الجهات المسؤولة باتخاذ قرارات عاجلة تضمن حقوقهم وتضع حدا لحالة عدم اليقين التي يعيشونها، وأكدوا أن مطالبهم لا تتعلق بمكاسب إضافية بقدر ما تتعلق بحقوق أساسية تضمن لهم حياة كريمة واستمرارية في العمل.
مخاوف من تأثير الأزمة على التعليم
يرى مراقبون أن اتساع رقعة الاحتجاجات بين المعلمين يعكس أزمة أعمق في القطاع التعليمي، تتعلق بضعف الموارد المالية وعدم وضوح السياسات الوظيفية، ومع استمرار الإضرابات والوقفات الاحتجاجية، تبرز مخاوف من تأثير ذلك على الطلاب، خصوصا في المناطق التي تعاني أصلا من نقص في الكوادر التعليمية أو من آثار سنوات النزاع.
ويؤكد مختصون في الشأن التربوي أن استقرار المعلم هو حجر الأساس في أي عملية تعليمية ناجحة، وأن غياب الاستقرار الوظيفي والمالي يؤدي بالضرورة إلى تراجع جودة التعليم وارتفاع نسب التسرب المدرسي.
مطالب واضحة ورسائل متكررة
المعلمون المحتجون في دير الزور ودوما يتفقون على مجموعة مطالب رئيسية، أبرزها صرف الرواتب في مواعيد منتظمة، وتثبيت العاملين بعقود أو تكليفات مؤقتة، ووضع آلية واضحة تضمن حقوقهم الوظيفية، ويرون أن تحقيق هذه المطالب سيعيد الثقة إلى المؤسسات التعليمية، ويمنح الكوادر القدرة على أداء مهامها دون ضغوط معيشية خانقة.
ورغم اختلاف الظروف بين منطقة وأخرى، فإن الرسالة العامة التي يحملها المعلمون واحدة، وهي أن استمرار تجاهل هذه المطالب سيؤدي إلى مزيد من الاحتجاجات وربما إلى أزمة تعليمية أوسع.
يعاني القطاع التعليمي في مناطق واسعة من سوريا منذ سنوات من تحديات كبيرة نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاضطرابات الإدارية وتعدد الجهات المشرفة على المؤسسات التعليمية. وقد أدى ذلك إلى تفاوت في الرواتب وآليات التوظيف والتثبيت، إضافة إلى تأخر متكرر في صرف المستحقات المالية، وتقدّر تقارير تربوية محلية أن آلاف المعلمين يعملون بعقود مؤقتة أو بصيغة التكليف دون تثبيت رسمي، ما يجعلهم عرضة لفقدان وظائفهم أو تأخر رواتبهم، وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة خلال الأعوام الأخيرة، باتت قضية الرواتب والاستقرار الوظيفي من أبرز الملفات التي تشغل المعلمين في مختلف المناطق، مع تزايد الدعوات لإصلاح شامل يضمن حقوق الكوادر التعليمية ويحافظ على استمرارية العملية التربوية.










