أزمات إنسانية تتفاقم.. اليمن بين نزوح لا ينتهي وهجرة محفوفة بالموت
أزمات إنسانية تتفاقم.. اليمن بين نزوح لا ينتهي وهجرة محفوفة بالموت
تتعمق المأساة الإنسانية في اليمن مع مرور أكثر من 10 سنوات على اندلاع النزاع، حيث يجد ملايين السكان أنفسهم عالقين في دائرة من النزوح والفقر وانهيار الخدمات الأساسية، لم يعد النزوح حدثاً طارئاً كما كان في بدايات الحرب، بل تحول إلى واقع يومي دائم يعيشه ملايين اليمنيين في ظل ظروف قاسية تزداد تعقيداً مع تراجع الاستجابة الإنسانية وضعف قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.
ووفقاً لتقرير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فإن أزمة النزوح في اليمن لم تتجه نحو الاستقرار، بل شهدت تصاعداً في حدتها وتعقيدها، في ظل استمرار حالة الطوارئ وتدهور سبل العيش والخدمات الأساسية، ما يضع البلاد أمام واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم اليوم، وفق ما أوردته وكالة أنباء المرأة الثلاثاء.
ملايين تحت خط الخطر
يشير التقرير إلى أن نحو 19.5 مليون شخص داخل اليمن بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية وحماية، وهو رقم يعكس حجم الكارثة التي يعيشها السكان، ويبلغ عدد النازحين داخلياً نحو 4.8 مليون شخص، يعيش كثير منهم في مخيمات مكتظة أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، مثل المياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم.
وتكشف هذه الأرقام عن واقع صادم، حيث تعيش أسر بأكملها في حالة من عدم الاستقرار المستمر، دون أفق واضح للعودة إلى منازلها أو إعادة بناء حياتها. ومع مرور الوقت، تتآكل قدرة هذه الأسر على التكيف، في ظل تراجع الموارد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
اليمن وجهة وممر للمهاجرين
لا تقتصر الأزمة على النزوح الداخلي، بل تمتد لتشمل تدفقات مستمرة من المهاجرين الأفارقة الذين يصلون إلى السواحل اليمنية في رحلات محفوفة بالمخاطر، ويستضيف اليمن حالياً أكثر من 63760 لاجئاً وطالب لجوء، معظمهم من الصومال وإثيوبيا، يعيش كثير منهم في البلاد منذ سنوات طويلة.
وفي تطور لافت، أعلنت وزارة الداخلية اليمنية وصول 1420 مهاجراً إثيوبياً إلى سواحل محافظة شبوة منذ مطلع فبراير 2025، عبر 8 قوارب تهريب وعلى 7 دفعات، في مؤشر على تصاعد غير مسبوق في حركة الهجرة غير النظامية، ويصل هؤلاء المهاجرون إلى مناطق كيدة والعين وجلعة وعرقة في مديرية رضوم، وسط ظروف إنسانية بالغة الخطورة.
رحلات الموت عبر البحر
تشكل رحلة المهاجرين إلى اليمن واحدة من أخطر مسارات الهجرة في المنطقة، حيث يغامر آلاف المهاجرين بحياتهم لعبور البحر في قوارب متهالكة، أملاً في الوصول إلى دول الخليج وتحسين ظروفهم المعيشية، غير أن هذه الرحلات غالباً ما تنتهي بمآسٍ إنسانية، إذ لقي مئات المهاجرين حتفهم غرقاً خلال العام 2024 وحده.
ويواجه الناجون تحديات قاسية فور وصولهم، إذ يجدون أنفسهم في بلد يعاني أصلاً من أزمة إنسانية حادة، ما يجعل فرص العمل والحياة الكريمة محدودة للغاية، ويزيد من هشاشة أوضاعهم.
استجابة أمنية وتصاعد التحديات
في مواجهة هذا التدفق المتزايد، أعلنت الحكومة اليمنية رفع الجاهزية العملياتية لقوات خفر السواحل في محافظة شبوة، بهدف تعزيز الرقابة على السواحل ومكافحة عمليات التهريب.
وأكدت وزارة الداخلية أن هذه الإجراءات تشمل تكثيف الجهود الأمنية وتعزيز التنسيق بين الأجهزة المختلفة، لضمان السيطرة على المنافذ البحرية والتصدي للأنشطة غير القانونية التي تهدد أمن واستقرار المحافظة.
وأشار رئيس مصلحة خفر السواحل إلى أهمية تطوير القدرات الميدانية وتعزيز العمل المشترك مع السلطات المحلية، في حين أكد محافظ شبوة دعم السلطة المحلية لهذه الجهود، انطلاقاً من مسؤوليتها في حماية السواحل وتأمينها.
غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تعالج جذور الأزمة التي ترتبط بعوامل أعمق تشمل الفقر والنزاعات المسلحة وانعدام الاستقرار في دول المصدر، فضلاً عن غياب مسارات آمنة للهجرة.
معاناة إنسانية مركبة
تكشف الأزمة في اليمن عن تداخل معقد بين النزوح الداخلي والهجرة الخارجية، حيث يتقاطع مسار معاناة اليمنيين مع معاناة المهاجرين الوافدين، في بيئة تعاني من شح الموارد وضعف البنية التحتية.
وتتحمل المجتمعات المحلية عبئاً مضاعفاً، إذ تستضيف نازحين ومهاجرين في ظل ظروف اقتصادية صعبة، ما يزيد من الضغط على الخدمات المحدودة ويؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية.
وفي الوقت نفسه تتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على تلبية الاحتياجات المتزايدة، نتيجة نقص التمويل وتزايد التحديات الأمنية، ما يترك ملايين الأشخاص دون دعم كافٍ.
أطفال ونساء في قلب الأزمة
تشكل النساء والأطفال النسبة الكبرى من المتضررين، حيث يواجهون مخاطر متعددة تشمل سوء التغذية، وانقطاع التعليم، والاستغلال، والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن جيلاً كاملاً من الأطفال اليمنيين يواجه خطر الضياع، في ظل غياب فرص التعليم والحماية، ما قد يؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد على مستقبل البلاد.
كما تعاني النساء من أعباء مضاعفة، إذ يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن في ظروف قاسية، مع محدودية فرص العمل وغياب الحماية الكافية.
الأزمة في اليمن
اندلعت الأزمة في اليمن عام 2014 مع تصاعد النزاع المسلح، وتفاقمت بشكل كبير منذ مارس 2015 مع تدخل التحالف العربي، ما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتدهور الاقتصاد والبنية التحتية، ومنذ ذلك الحين، تحولت اليمن إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعتمد أكثر من نصف السكان على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
ويعد موقع اليمن الجغرافي عاملاً إضافياً في تعقيد الأزمة، إذ يشكل نقطة عبور رئيسية للمهاجرين من القرن الإفريقي نحو دول الخليج، ما يضع ضغوطاً إضافية على بلد يعاني أصلاً من ضعف الموارد، كما تسهم التغيرات المناخية، مثل الجفاف والفيضانات، في تفاقم الأوضاع الإنسانية، وتدفع مزيداً من السكان إلى النزوح الداخلي أو الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.
وتؤكد التقارير الدولية أن معالجة هذه الأزمة تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الحلول السياسية والاقتصادية والإنسانية، مع تعزيز الدعم الدولي لليمن، وفتح مسارات آمنة للهجرة، وتحسين ظروف المعيشة للنازحين والمجتمعات المضيفة.
في ظل هذه التحديات المعقدة يبقى ملايين اليمنيين والمهاجرين عالقين في دائرة من المعاناة المستمرة، بانتظار حلول جذرية تعيد إليهم الأمل في حياة آمنة وكريمة.











