نصلكم بما هو أبعد من القصة

تزايد حالات رمي حديثي الولادة في سوريا.. بين ضيق الأحوال المعيشية وغياب الوازع الأخلاقي

تزايد حالات رمي حديثي الولادة في سوريا.. بين ضيق الأحوال المعيشية وغياب الوازع الأخلاقي
إحدى حالات رمي الأطفال حديثي الولادة

لم تقتصر المأساة السورية على القتل والتهجير والنزوح والدمار في الأبنية السكنية، بل ألقت هذه المأساة بظلالها على الحالة الاجتماعية السورية، حيث نتج عنها العديد من الظواهر السلبية والدخيلة على المجتمع السوري التي تنامت بسبب الأحداث السورية المستمرة وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

منذ مطلع العام الجاري 2022 شهدت مناطق سيطرة قوات الحكومة والميليشيات المساندة لها تزايدًا في عدد حالات تخلي عن أطفال حديثي الولادة برميهم من قبل ذويهم على الطرقات وأمام أبواب المساجد والحدائق العامة وغيرها، ما يفتح الباب للحديث عن هذه الحالة السلبية التي انتعشت بسبب ظروف الحرب الدائرة في سوريا وانعكاساتها على المجتمع السوري بشكل عام في جميع المحافظات السورية على اختلاف جهات السيطرة.

وفي حديثها مع المرصد السوري لحقوق الإنسان تقول المرشدة التربوية (س.ع)، إن طول فترة الأحداث الجارية في سوريا منذ نحو 11 عاماً انعكست سلباً على الحالة الاجتماعية العامة ونتج عنها تنامي العديد من الظواهر السلبية والتي كانت قبل عام 2011 موجودة بشكل محدود.

وغياب السلطة القانونية ساهم في نشاطها بجانب الانهيار في المستوى المعيشي لغالبية السكان وغياب دور الرقابة والتفكك الأسري وغيرها الكثير من العوامل، وتعد حالة رمي الأطفال حديثي الولادة واحدة من بين هذه الحالات، حسب تأكيدات المرشدة التربوية.

 

الفقر وغياب الوازع الديني والأخلاقي

وتضيف، من المعلوم أن الأسباب عديدة لكنها في النهاية تندرج تحت سببين رئيسيين هما الفقر وغياب الوازع الديني والأخلاقي، وهذان الأمران تزايدا كثيراً خلال فترة الأحداث السورية، فمن ناحية “العلاقات الشرعية” فإن كثيراً من العائلات باتت تعاني الفقر الشديد، ومن جهة أخرى خسرت نسبة كبيرة من النساء أزواجهن بسبب الحرب وغياب معيل الأسر وغلاء الأسعار بشكل كبير ساهم في تردي الواقع المعيشي لكثير من النساء، كما ساهم انتشار العنوسة وعدم وجود تسهيلات للزواج في غياب الوازع الأخلاقي وحدوث حالة من العلاقات غير شرعية، وفي كلا الحالتين لا يمكن لطرفي العلاقة الإبقاء على الطفل إما بسبب الفقر أو بسبب الخوف من الفضيحة والعقاب.

وتشير (س.ع)، إلى أن البعض لا يفضل التخلص من الطفل الحديث الولادة عن طريق القتل ويصعب عليهم من جهة أخرى إيجاد حلول طبية للتخلص منه قبل ولادته، ما يدفعهم لتركه في أماكن يعتقدون بأنها ستؤمن للطفل أشخاصا يعتنون بهم مثل المشافي والمساجد والحدائق العامة أو على قارعة الطريق، في محاولة منهم لعدم الشعور بمزيد من الذنب وتأنيب الضمير تجاه الطفل.

 

 

 

حملات توعوية

وتؤكد أهمية أن تقوم المنظمات المعنية بدورها في إطلاق حملات توعوية لا سيما لجيل الشباب، ومن المهم أيضاً تسهيل أمور الزواج وتوجيه الدعم المادي والنفسي للعائلات الأكثر تضرراً مثل العائلات التي خسرت مصادر دخلها ومعيلها والعائلات النازحة والمهجرة، كما يجب على المؤسسات الحكومية السعي لتحسين الواقع المعيشي للحد من هذه الحالات الخطيرة والسلبية.

وفي السياق، يقول الناشط (م.أ) المقيم في ريف إدلب الشمالي إن رمي الأطفال حديثي الولادة بدأ مع بدء حركات النزوح الداخلية منذ بداية الثورة السورية، بسبب الكثافة السكانية والاختلاط الذي حدث بسبب النزوح جميع المحافظات السورية في الشمال السوري وتردي الأحوال المعيشية، ولا تنحصر هذه الظاهرة في مناطق سيطرة النظام بل هي تكاد تكون منتشرة بشكل أوسع في الشمال السوري.

مضيفاً، يتكرر هذا المشهد بشكل دائم في جميع مناطق الشمال السوري سواء كان في مناطق إدلب وريفها أو ريف حلب الشمالي، وهي ظاهرة سلبية وتتنافى مع المجتمع السوري، ومما زاد من هذه الظاهرة هو غياب المؤسسات المعنية بمثل هذه القضايا ومعالجتها، إضافة لاستمرار الأسباب التي أدت لتناميها.

ويؤكد أنه يجب أن يكون هناك مؤسسات تعنى بشكل خاص وتتحمل مسؤولية رعاية هؤلاء الأطفال الذين يتم العثور عليهم والقيام على تامين معيشتهم، خوفاً من تفاقم هذه الظاهرة وظهور جيل من الأطفال المشردين مستقبلاً، كما يجب على الجهات المسؤولة سن قوانين خاصة بهؤلاء الأطفال فهم نتاج ظاهرة خطيرة ولا يجب التخلي عنهم.

حالات موثقة

المرصد السوري لحقوق الإنسان رصد نحو 11 حالة رمي أطفال حديثي الولادة ضمن مناطق سيطرة قوات النظام والميليشيات المساندة له منذ مطلع العام الجاري 2022 وحتى تاريخ 18 مارس الجاري، حيث رصد بتاريخ 18 مارس الجاري عثور الأهالي على طفل حديث الولادة مرمي في أحد الشوارع في مدينة الصنمين بريف درعا، وبتاريخ 16 مارس الجاري رصد العثور على طفلة حديثة الولادة تبلغ من العمر 3 أيام مرمية خلف مبنى البلدية في مدينة دوما بريف دمشق، وبتاريخ 14 مارس الجاري العثور على طفلة حديثة الولادة في منطقة الطبالة بالعاصمة دمشق.

أما في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية” شمال شرق سوريا فقد رصد نشطاء المرصد السوري بتاريخ 26 فبراير الفائت عثور الأهالي على جثة طفل حديث الولادة مرمية على قارعة أحد الطرق الفرعية في بلدة الهرموشية في ريف محافظة دير الزور الغربي.

فيما لم تسجل حالات رمي أطفال حديثي الولادة خلال الشهرين ونصف الماضيين ضمن مناطق إدلب وريفها ومناطق ريف حلب الشمالي الواقعة تحت سيطرة “هيئة تحرير الشام” والفصائل الموالية لتركيا، لكن هذه المناطق شهدت خلال الأعوام الماضية الكثير من هذه الحالات.

خلال فترة الثورة السورية التي بدأت منذ 11 عام ظهرت العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية مثل رمي الأطفال حديثي الولادة وعمالة الأطفال والتشرد والتسول وغيرها وسط عجز الجهات المعنية والمنظمات عن الحد منها، لتمثل أزمة ومعاناة إنسانية تؤرق المجتمع السوري نتيجة الأزمة السياسية والاقتصادية القائمة.

 


قد يعجبك ايضا

ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية

أخبار مميزة