القراءة بين الركام.. كاتب فرنسي يحكي قصة مكتبة وقفت في وجه العدوان بغزة
القراءة بين الركام.. كاتب فرنسي يحكي قصة مكتبة وقفت في وجه العدوان بغزة
في زمن الحرب والانهيار، حيث تُختزل غزة في أرقام القتلى وصور الدمار، يطلّ الكاتب الفرنسي ـ المغربي رشيد بنزين برواية جديدة تحمل عنوان "الرجل الذي كان يقرأ كتبًا"، ليعيد للقطاع وجهًا آخر.. وجه الكلمة والذاكرة والمقاومة الإنسانية.
الرواية، التي صدرت هذا الموسم في فرنسا كأول عمل أدبي يركز على غزة وسط عاصفة الأخبار والتحليلات، تروي حكاية نبيل، صاحب مكتبة من مواليد عام النكبة 1948، رجل يمضي وقته في إهداء الكتب للآخرين بدل بيعها، بحسب ما ذكرت وكالة "فرانس برس"، اليوم الأحد.
يقول بنزين: "ماذا بمقدور الكلمات أمام هذا السيل من الصور؟ نحن نتعوّد على سماع جملة تقول.. اليوم 63 قتيلاً في غزة، وغدًا 100، فتفقد الأرقام وجوهها ومعانيها.. كان لا بد من كلمات تعيد للناس إنسانيتهم".
من هنا جاءت فكرة نبيل، الذي لم تحدده الخسائر ولا اللجوء ولا الدمار، بل تمسك بفعل بسيط ـ ثوري: القراءة.
تقاطع الهويات.. ورفض الاختزال
نبيل، ابن أم مسلمة وأب مسيحي، يقف عند تقاطع التقاليد والديانات، وهو قادر على أن يقرأ سورة قرآنية ويُتبعها بمزمور من الكتاب المقدس.
بالنسبة للكاتب، هذا الخيار يسلّط الضوء على تعقيد الهوية الفلسطينية، بعيدًا عن الاختزال في ثنائية "عرب ويهود" أو "إسلام وحرب".
"أردت أن أُظهر أن الفلسطينيين ليسوا مجرد صورة نمطية.. في غزة هناك هذا المزيج، هذا التنوّع، وهذه القدرة على التمسك بالقراءة رغم كل شيء".
إهداء الكتب.. فعل مقاومة
في الرواية، لا يبيع نبيل كتبه، بل يهديها.. يراه الكاتب كمن يقوم بفعل عصيان صغير ضد القسوة، كمن يزرع بذرة حياة في أرض مثقلة بالموت.
يقول نبيل: "الأدب لا يوقف القنابل، لكنه يحفظ النواة الأكثر صلابة في الإنسان.. إهداء كتاب هو مقاومة ضد تجريد البشر من إنسانيتهم".
وسط الخراب، يظل نبيل يروي: عن النكبة عام 1948، عن اللاجئين، عن والدته وأخيه، عن حكاية طويلة تعبر الأجيال. بالنسبة لبنزين، الخطر الأكبر اليوم هو الشعور بالعجز، والإيهام بأن لا أحد يستطيع فعل شيء.
حرية الفكر.. آخر ما لا يُستعمر
يؤكد نبيل: "يمكننا دائمًا أن ننهض، أن نتظاهر، أن نقاطع، أن نتمسك بالإنسانية. أهديت هذه الرواية لكل من يرفض الاستسلام للعتمة".
في النهاية، يختصر بنزين رسالته في جملة واحدة أصبحت عنوانًا للكتاب وملهمته: "لا يمكن استعمار المتخيَّل، بين الأنقاض والدمار، يبقى رجل يقرأ.. وهذا هائل".