ديان مونداي.. ناشطة بريطانية تقود معركة لإنهاء تجريم الإجهاض منذ 60 عاماً

انتهت بتعديل يُنهي ملاحقة النساء جنائياً

ديان مونداي.. ناشطة بريطانية تقود معركة لإنهاء تجريم الإجهاض منذ 60 عاماً
الناشطة البريطانية ديان مونداي

تواصل ديان مونداي، وهي في الرابعة والتسعين، معركة حقوقية بدأت قبل ستة عقود وتستمر حتى اليوم، بعدما أسهمت في دفع بريطانيا إلى تقنين الإجهاض عام 1967، ثم عادت لتجد أن المعركة لم تُغلق عند التشريع الأول، وأن النساء ظللن -وفق تعبيرها- يُسجنّ بعد نصف قرن من ذلك القانون.

وتقف مونداي الآن أمام “أهم تقدم لحقوق الإنجاب منذ 1967"، حين أقرّ البرلمان تعديلًا على مشروع قانون الجريمة والشرطة سعى إلى إنهاء التحقيق الجنائي والملاحقة القضائية للنساء اللواتي ينهين حملهن، لكنها لا ترى في هذا التحول نهاية للصراع، بل خطوة جديدة في طريق هدف واحد: إلغاء تجريم الإجهاض بشكل كامل وإزالة القيود التي تُبقي القرار الإنجابي رهينًا لإذنٍ طبي مزدوج وإطار قانوني صارم.

وتَدخل مونداي هذا المشهد من موقعٍ يصعب فصله عن تاريخها الشخصي والسياسي في آنٍ واحد، حيث تقدمها "الغارديان" بوصفها مشاركة في تأسيس خدمة استشارات الحمل البريطانية، وبوصفها عضوًا بارزًا في جمعية إصلاح قانون الإجهاض خلال الستينيات والسبعينيات، وبوصفها راعية لمنظمة "هيومانيستس يو كيه"، وهي مؤشرات تُظهر أن معركتها لم تكن حملة ظرفية، بل مشروع حياة ظل مرتبطًا بالحق في الصحة الإنجابية.

وتَحتفظ مونداي بهذا المشروع في مكتبها المنزلي، إذ تقضي معظم أيامها بين رفوف مكتظة بكتب عن الإجهاض، وملاحظات معلقة فوق المكتب، وخزانة ملفات مليئة بوثائق تاريخية تمتد لعقود، في أرشيف يعكس كيف بقيت القضية ذاتها حية عندها بقدر ما بقيت ناقصة في القانون.

تصف مونداي لحظة قانون 1967 بوصفها إنجازًا كبيرًا و"خطوة مهمة في تاريخ حقوق المرأة"، لكنها تُصرّ على أنها كانت لحظة ناقصة.

وتروي أنها عندما رفع الناشطون كؤوس الشمبانيا على شرفة مجلس العموم احتفالًا بتمرير القانون، شربت نصف كأس فقط، ثم قالت لزملائها: "المهمة لم تُنجز بعد"، وتظهر قوة هذا المشهد في كونه سابقًا على مسار طويل أثبت -وفق قولها- أن النساء بعد خمسين عامًا كن لم يزلن يُسجنّ.

تنتقل مونداي من هذه الجملة إلى جوهر نقدها للمنظومة: فالاعتراف الجزئي لا يوقف العقاب، والحق إن لم يتحول إلى حماية كاملة يبقى هشًا أمام سلطة الشرطة والمحاكم.

أسباب الوعي المبكر

تَشرح مونداي أسباب هذا الوعي المبكر عبر تجربة شخصية سابقة على التشريع بسنوات، حيث تروي أنها في عام 1961، حين كانت أمًا لثلاثة أطفال صغار، أجهضت، وتقدم هذه الواقعة في الرواية الحقوقية بوصفها نقطة التقاء بين احتياج شخصي وبين ظلم اجتماعي قاسٍ.

وتستعيد مونداي قصة شابة كانت تعرفها في لندن، تعمل خياطة ومتزوجة ولديها ثلاثة أطفال صغار، حملت حملًا لم تستطع تحمّله، ثم ذهبت إلى "الشوارع الخلفية" وماتت.

وتضع هذه الحكاية الإجهاض ضمن سياقٍ لا يحتمل التجميل: غياب الوصول الآمن لا يخلق "ردعًا"، بل يخلق موتًا.

تَربط مونداي بين الموت والطبقة في جملة واحدة، وتَقول إنها جمعت 90 جنيهًا إسترلينيًا وذهبت إلى شارع هارلي ونجت، وتقول أيضًا إن الظلم الذي وقع على تلك الشابة هو ما دفعها طوال السنوات، وإنها لم تنسها أبدًا.

وتُظهر هذه الواقعة كيف يصبح الحق في الإجهاض جزءًا من الحق في الحياة والحق في المساواة: من تملك المال تنجُ، ومن لا تملك المال تُترك لتدفع ثمنًا قد يكون حياتها.

تحول مونداي الغضب إلى تنظيم، وتُظهر الغارديان أنها كرّست نفسها في ستينيات القرن الماضي لحشد الدعم الشعبي لمشروع قانون الإجهاض، إدراكًا منها لضرورة إقراره في البرلمان، وتبدأ بحملة ضغط مباشرة على السياسيين، قبل أن تصطدم بتقليل رسمي لقيمة القضية.

إصلاح يخص الطبقة الوسطى

تَذكر مونداي أن رئيس الوزراء آنذاك هارولد ويلسون وصف الإجهاض بأنه "إصلاح تافه يخص الطبقة الوسطى"، ثم قال لها: "اذهبي وأثبتي لي أن البلاد تريد ذلك، ثم عودي".

تنفذ مونداي طلب ويلسون حرفيًا، وتَتوجه إلى اجتماعات معهد المرأة، ونادي الروتاري، ونقابة سيدات المدينة، مطالبةً بتمرير قرارات تدعم إصلاح القانون، وتَصف المشهد كما عاشته: قاعات تحضرها نساء يرتدين القفازات والقبعات، ثم تقف وتقول: "لقد أجريت عملية إجهاض".

وتَذكر أنها بعد هذا الاعتراف كان الناس يتوافدون عليها واحدًا تلو الآخر في استراحة الشاي، ليقولوا: "لقد أجريت عملية إجهاض.. أنتِ الشخص الوحيد الذي يعلم بذلك، باستثناء زوجي"، أو ليكشفوا عن ظروفٍ اقتصادية مثل الكساد الكبير أو البطالة التي دفعتهم لاتخاذ القرار.

وتَتحول تلك الاعترافات الفردية في رواية مونداي إلى دليل اجتماعي على أن الإجهاض كان شائعًا، وأن الصمت لم يكن يعني عدم وجوده، بل كان يعني الخوف من الوصم ومن التجريم.

تَصل مونداي إلى نتيجة تفسر قوة الحشد الشعبي: النساء كنّ يفعلنه لكنهن لا يتحدثن عنه، والكلمة لم تكن مستخدمة كتابةً أو نطقًا، وهذا ما دفعها للمضي قدمًا لأنها كانت تتذكر المرأة التي ماتت.

وتَروي أن والدتها اعترفت بأن إحدى قريباتها المقربات أجرت عملية إجهاض وأنها اعتنت بها بعد ذلك، في تأكيد جديد أن التجربة كانت ممتدة داخل المجتمع لكن محاطة بالتكتم.

تعديلٌ تاريخي

تَعود مونداي في الحاضر لتجد أن البرلمان يتحرك مجددًا نحو إصلاحٍ جديد، وتَذكر "الغارديان" أنه قبل تصويت تاريخي في البرلمان مطلع هذا الصيف كانت مونداي من بين الأصوات المطالبة بالتغيير.

وتُشير الصحيفة إلى أن ما وُصف بأنه أهم تقدم لحقوق الإنجاب منذ عام 1967 تحقق حين أقرّ البرلمان تعديلًا قدمته النائبة العمالية تونيا أنتونيازي على مشروع قانون الجريمة والشرطة، وسعى إلى إنهاء التحقيق الجنائي والملاحقة القضائية للنساء اللواتي ينهين حملهن. 

تَربط الصحيفة هذا التطور بسياق بالغ الدلالة: التعديل جاء عقب سلسلة من المحاكمات البارزة التي استُدعيت فيها نساء إلى المحاكم لإنهاء حملهن خارج الإطار القانوني الصارم.

تقرأ مونداي هذه الخطوة بوصفها تقدّمًا لكنه غير كافٍ، وتقول إنها ليست مستعدة للاحتفال لأنها تريد إلغاء تجريم الإجهاض بشكل كامل، وتَضع مطلبها في عبارة محددة: "على البرلمانيين إزالة القيود -شرط موافقة طبيبين على الإجهاض- وجعله متاحًا للجميع بسهولة".

قضية "رو ضد ويد"

تتابع مونداي أخبار الإجهاض عبر تنبيهات الإنترنت المخصصة لهذا، وتُظهر قلقًا خاصًا تجاه الولايات المتحدة، وتذكر أنها قلقة للغاية لأن المحكمة العليا الأمريكية في عام 2022 نقضت الحكم التاريخي في قضية “رو ضد ويد” الذي كان قد ضمن للمرأة عام 1973 الحق الدستوري في الإجهاض.

وتقول: "طالما اعتبرت أمريكا مجتمعًا عصريًا، لكنها تتراجع، وهذا ما يقلقني بشدة.. على النساء الأمريكيات أن ينهضن ويناضلن من أجل حقوقهن".

تحذر مونداي كذلك من محاولات تقييد الحقوق الإنجابية داخل بريطانيا، وتذكر أن نايجل فاراج دعا إلى تقليص المدة الزمنية المحددة للإجهاض، وأنها ترى أن زعيم حزب الإصلاح البريطاني قد يصبح رئيس الوزراء القادم إذا استمر الوضع على هذا المنوال. 

وترحب مونداي بخبر صدر في أكتوبر بشأن تسهيل الحصول على وسائل منع الحمل الطارئة، وتقول: "هذه خطوة كبيرة إلى الأمام.. حبوب منع الحمل الطارئة المجانية من أي صيدلية، تُعد تقدمًا هائلًا"، وتظهر هذه الإشارة أن معركتها تُقرأ ضمن منظومة حقوق إنجابية أوسع، تشمل الوصول إلى وسائل منع الحمل وتيسيرها دون معوقات مالية أو إدارية.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية