محتجزون يطرقون أبواب الأمم المتحدة.. برنامج "واحد يدخل واحد يخرج" تحت المساءلة

محتجزون يطرقون أبواب الأمم المتحدة.. برنامج "واحد يدخل واحد يخرج" تحت المساءلة
الهجرة غير الشرعية - أرشيفية

تفتح قضية احتجاز ثمانين طالب لجوء في مركز هارموندسوورث، في بريطانيا تمهيدًا لإعادتهم إلى فرنسا بموجب برنامج "واحد يدخل، واحد يخرج"، ملفًا حقوقيًا بالغ الحساسية حول حدود الردع وسيادة الضمانات الإنسانية.

تضع الشهادات المكتوبة للمحتجزين المطالِبة بتحقيق أممي عاجل الدولة أمام سؤال لا يقبل التجميل: هل تُدار الهجرة بوصفها ملفًا أمنيًا فقط، أم تُدار بوصفها حقًا في الحماية تلتزم الدولة بتأمينه عبر إجراءات عادلة وشفافة تحمي الكرامة وتمنع العقاب على طلب اللجوء؟

ووفقاً لصحيفة "الغارديان"، تقدم ثمانون حالة احتجاز، وفق رواية أصحابها، اتهامًا مباشرًا لوزارة الداخلية البريطانية بالتسبب في "الخوف والإذلال والضيق النفسي" منذ وصولهم إلى المملكة المتحدة على متن قوارب صغيرة.

وتكتب المجموعة وثيقة بعنوان "تقرير عن الأوضاع والمعاملة في مركز احتجاز المهاجرين في هارموندسوورث"، مُعتبرة أن ما تعرضت له لا يقتصر على ضيق الظروف، بل يرقى إلى احتجاز تعسفي وحرمان من التمثيل القانوني وعدم كفاية الرعاية الطبية ومعاملة مهينة وأثر نفسي بالغ.

وتقول المجموعة إنها جاءت "بحثًا عن الأمان والكرامة وفرصة للعيش بسلام"، قبل أن تجد نفسها في مركز احتجاز قريب من مطار هيثرو، في واحدة من أكثر مراحل السياسة الجديدة حساسية.

انهيارات نفسية متصاعدة

تربط الوثيقة بين الاحتجاز وبين انهيارات نفسية متصاعدة، وتذكر أن "العديد من المحتجزين هم من الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 17 و30 عامًا"، وأنهم يُبلغون عن انتشار الاكتئاب والقلق والأرق والانهيارات العاطفية.

وتضيف أن حوادث عديدة وقعت شملت أزمات نفسية حادة، ومنها محاولات إيذاء النفس، وأن بعض المحتجزين وُضعوا في الحبس الانفرادي أو وحدات التأديب. وتصف البيئة بأنها خلقت خوفًا ويأسًا وعدم يقين دائمين، مع شعور بالتجريد من الإنسانية والتجاهل، في حين يؤكد المحتجزون أنهم لم يُمنحوا وقتًا كافيًا للراحة أو التعافي أو تلقي الدعم النفسي بعد رحلاتهم الشاقة ومقابلتهم مع وزارة الداخلية، وأن بعضهم لم يرَ عائلته أو يتحدث إليها منذ بدء احتجازه.

وتتزامن هذه الاتهامات مع دخول صلاحيات حكومية جديدة حيز التنفيذ تسمح بمصادرة الهواتف المحمولة للواصلين على قوارب صغيرة لفحصها بحثًا عن معلومات تخص مهربي البشر.

وتلفت التفاصيل إلى اتساع نطاق التجريم، إذ تُدرج الصلاحيات الجديدة جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن خمس سنوات بعنوان: "جمع معلومات تُفيد من يخططون لعبور غير قانوني"، وهو ما قد يشمل الاطلاع على توقعات الطقس لتحديد الأوقات المناسبة لعبور القناة الإنجليزية.

ضرب شبكات التهريب

تظهر هنا معضلة مزدوجة: رغبة الحكومة في ضرب شبكات التهريب، مقابل مخاوف من أن تتحول الأدوات الجنائية إلى شبكة واسعة قد تطول طالبي اللجوء أنفسهم، حتى في سلوكيات مرتبطة بالنجاة من رحلة خطرة.

تستند الحكومة إلى واقعٍ عددي يضغط بقوة على ملف القوارب الصغيرة، ويذكر التقرير أن عام 2025 شهد ثاني أعلى عدد من عمليات العبور المسجلة، إذ وصل أكثر من 41 ألف شخص إلى المملكة المتحدة على متن قوارب صغيرة، رغم الإجراءات المتخذة لمكافحة عصابات التهريب منذ وصول حزب العمال إلى السلطة. 

وتقدم المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة مقارنة تُظهر انخفاض الوفيات رغم ازدياد العبور: فقد عبر أكثر من 36 ألف شخص في 2024 وسُجلت 85 وفاة على الأقل، في حين سُجلت 36 وفاة في 2025.

وتُشير هذه الأرقام إلى أن الضغط لم يتراجع، وأن خطر الرحلة لم يختفِ، ما يجعل البدائل الآمنة ومسارات الدخول المنظم جزءًا جوهريًا من أي استجابة لا تكتفي بمطاردة القوارب.

وتقترب الاتفاقية من لحظتها العملية الأولى في 2026، وتذكر الغارديان أن أول رحلة عودة إلى فرنسا بموجب برنامج "شخص واحد يدخل، شخص واحد يخرج" ستنطلق في 2026.

وتكشف أحدث إحصاءات وزارة الداخلية أن 193 شخصًا أُرسلوا إلى فرنسا في الأشهر الثلاثة الأولى من البرنامج، مقابل جلب 195 شخصًا إلى المملكة المتحدة بشكل قانوني.

وتُبرز "الغارديان" ضآلة هذه الأرقام مقارنة بحجم العبور، إذ تمثل أقل من ربع عدد من عبروا القناة في قوارب صغيرة في يوم واحد بتاريخ 20 ديسمبر، حين وصل 803 أشخاص.

بين الدعم المشروط والرقابة

تدخل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين على الخط بدورٍ يوازن بين الدعم المشروط والرقابة، وتقول المفوضية إنها يمكن أن تضطلع بدور بناء في دعم تطوير وتنفيذ الترتيبات الدولية المتعلقة بنقل اللاجئين وطالبي اللجوء، ومنها المشروع التجريبي بين المملكة المتحدة وفرنسا.

وتضيف أنها ترحب بالتواصل المستمر مع الحكومتين لضمان التزام الترتيبات بمعايير الحماية الدولية وقابليتها للتطبيق وإسهامها في تعزيز حماية اللاجئين وإدارة تحركاتهم وفقًا للحقوق، وأن ذلك يشمل زيارات لمراكز احتجاز المهاجرين وحوارًا مستمرًا مع وزارة الداخلية.

ومن جانبها تطرح جمعية الأمم المتحدة – المملكة المتحدة (UNA-UK) إطارًا أكثر صراحة لمخاوف الامتثال، وتذكر أن البرنامج أُعلن عنه في 10 يوليو على يد رئيس الوزراء كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ودخل حيز التنفيذ في 4 أغسطس، وأنه يسمح بإعادة من يصلون بالقوارب الصغيرة إلى فرنسا إذا لم تكن لديهم روابط عائلية في المملكة المتحدة، مقابل قبول عدد مماثل من طالبي اللجوء من فرنسا ممن لديهم أسباب قوية للحماية أو أقارب مقيمون في المملكة المتحدة.

وتحذر الجمعية من مخاوف جدية بشأن الامتثال لحقوق الإنسان والأثر الإنساني وقابلية التطبيق والفعالية، مشيرة إلى أن الحكومة أكدت أنه رغم احتجاز أكثر من 100 شخص بانتظار نقلهم المحتمل إلى فرنسا، لم تتم الموافقة بعد على أي طلبات دخول آمن إلى المملكة المتحدة، مع تقارير عن تزايد الإحباط بين المهاجرين في كاليه بسبب عدم تلقيهم ردًا.

التوافق مع القانون الدولي

تُشدد المفوضية على أن التفاصيل التشغيلية ضرورية، وأن المشروع لن يحقق المسؤولية المشتركة والنتائج الإنسانية المرجوة إلا بالتوافق التام مع القانون الدولي والحماية والشفافية الإجرائية.

ويقول مدير المكتب الإقليمي للمفوضية في أوروبا فيليب لوكلير إن معالجة أسباب النزوح من بلدان المنشأ أمر بالغ الأهمية، محذرًا من أن التخفيضات الحالية في المساعدات العالمية تهدد بتأجيج عدم الاستقرار واليأس، وأن التركيز على القناة الإنجليزية وحدها قد يتجاهل الأسباب الحقيقية للرحلات الخطرة.

وتقول الرئيسة التنفيذية لجمعية الأمم المتحدة في المملكة المتحدة جين كينينمونت إن الكثير لا يزال غير واضح حول كيفية عمل المشروع، لكنها تضعه في سياقه عبر إشارة إلى أن مراجعة الحكومة لملفات طالبي اللجوء الواصلين بالقوارب الصغيرة أظهرت أن غالبيتهم لاجئون فارون من الحرب والاضطهاد، وأن الدول الخمس الأولى التي ينحدرون منها هي أفغانستان وسوريا وإريتريا وإيران والسودان، مع تذكير بأن الغالبية العظمى من اللاجئين من هذه الدول تجد ملاذًا في بلدان قربى مثل باكستان وتركيا وإثيوبيا.

وتربط UNA-UK هذه المخاوف بمسار تشريعي موازٍ، وتحذر من أن مشروع قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة يمضي قدمًا في البرلمان، ورغم الترويج له ضد المهربين، فإن صلاحياته الجنائية الواسعة تُنذر بمعاقبة طالبي اللجوء ومنهم الفئات الأضعف، ما يتعارض مع حماية اتفاقية اللاجئين.

وتستشهد بتقرير اللجنة المشتركة لحقوق الإنسان في البرلمان الذي عبر عن القلق من أن صياغة الجرائم الجديدة فضفاضة للغاية وتُشكل خطرًا بتجريم اللاجئين والفئات الضعيفة، ما يهدد بانتهاك التزامات قانونية دولية تحمي اللاجئين وضحايا العبودية الحديثة من المعاقبة.

سرعة الاحتجاز والعودة

ومن جانبها ترد الحكومة بسردية تنفيذية تُركز على سرعة الاحتجاز والعودة، ويذكر موقع الحكومة البريطانية أن احتجاز أول مهاجرين "غير شرعيين" بموجب المعاهدة دخل حيز التنفيذ ظهر 6 أغسطس بعد وصولهم على متن قارب صغير، وأنهم سيُحتجزون في مراكز احتجاز ريثما يتم ترحيلهم، على أن تُحيل المملكة المتحدة الحالات إلى فرنسا خلال 3 أيام وترد فرنسا خلال 14 يومًا، مع إطلاع المحتجزين على الإجراءات التي ستتم عبرها عودتهم.

ويذكر الموقع أن العملية المتبادلة للسماح للمهاجرين بتقديم طلبات "إبداء الرغبة" في القدوم إلى المملكة المتحدة بدأت في 7 أغسطس، مع معايير أهلية وملاءمة تشمل تحميل جواز سفر أو وثائق هوية وصورة حديثة، ثم فحوصات أمنية مشددة والتحقق البيومتري، ما يعني أن من توافق عليهم الحكومة فقط سيُسمح لهم بالمرور عبر المسار الجديد.

وتُعلن الحكومة كذلك إطلاق حملة تحذيرية مكثفة في شمال فرنسا وخارجها لإبلاغ من يفكرون في العبور بأنهم يخاطرون بأموالهم وحياتهم.

ويقول موقع الحكومة البريطانية إن مسؤولي حرس الحدود وإنفاذ قوانين الهجرة ووزارة الداخلية سيعملون خلال الأسابيع القادمة لتحديد هوية الأفراد المشمولين واحتجازهم وتهيئتهم للعودة، مع مراجعة مستمرة للآلية لمعالجة أي مشكلات وتسريع عمليات العودة. 

وقالت وزيرة الداخلية إيفيت كوبر -وقتها-  إن احتجاز أول مجموعة بموجب المعاهدة "يوجه رسالة واضحة" لكل من يفكر في دفع المال للعصابات بأنهم سيخاطرون بحياتهم ويهدرون أموالهم إذا استقلوا قاربًا صغيرًا، مؤكدة أن الرحلة غير القانونية تقوض أمن الحدود وتثري العصابات، وأن الاحتجاز خطوة مهمة لتقويض نموذج أعمالها، وأن المرحلة التجريبية ستتطور مع الوقت.

تُغلق القضية دائرتها عند مفترقٍ واحد: رواية محتجزين يصفون الاحتجاز بأنه عقاب نفسي ومعاملة مهينة وحرمان من التمثيل القانوني والرعاية الطبية، ورواية حكومة ترفض الادعاءات وتقول إن سلامة المحتجزين أولوية وإن حماية الحدود هي الأولوية القصوى، مع تأكيدها أن البرنامج يتيح إرسال الوافدين بالقوارب الصغيرة إلى وجهتهم النهائية.

 

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية