من خلف الأسوار.. مهاجرون يتهمون بريطانيا بمعاملة غير إنسانية داخل مراكز الاحتجاز

من خلف الأسوار.. مهاجرون يتهمون بريطانيا بمعاملة غير إنسانية داخل مراكز الاحتجاز
مهاجرون محتجزون في أحد مراكز الاحتجاز البريطانية

يعيش عشرات المهاجرين المحتجزين في المملكة المتحدة حالة من القلق والخوف في انتظار إعادتهم إلى فرنسا، وسط اتهامات خطرة تتعلق بظروف احتجازهم والمعاملة التي يتلقونها داخل أحد أكبر مراكز الاحتجاز البريطانية، فقد كشف تقرير صحفي عن ادعاءات تقدم بها 80 مهاجراً محتجزين في مركز هارموندسوورث الإداري، تحدثوا فيها عن معاملة وصفوها بالمهينة وغير الإنسانية، في وقت تنفي فيه وزارة الداخلية البريطانية هذه الاتهامات بشكل قاطع.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، الأربعاء، فإن المهاجرين المحتجزين قاموا بتجميع شكاواهم في وثيقة حملت عنوان تقرير عن ظروف الاحتجاز والمعاملة في مركز هارموندسوورث الإداري للاحتجاز، وطالبوا من خلالها هيئات الأمم المتحدة بفتح تحقيق مستقل في أوضاعهم، مؤكدين أنهم يعيشون حالة من الخوف والإذلال والضيق النفسي منذ وصولهم إلى الأراضي البريطانية.

مركز احتجاز تحت الضوء

يقع مركز هارموندسوورث قرب مطار هيثرو، ويعد من أكبر مراكز احتجاز المهاجرين في المملكة المتحدة، ويضم أشخاصاً تم توقيفهم بعد وصولهم بطرق غير نظامية، خصوصاً عبر قوارب صغيرة قطعت بحر المانش انطلاقاً من السواحل الفرنسية، وبموجب الاتفاقية الجديدة الموقعة بين لندن وباريس خلال صيف العام الماضي، والمعروفة باتفاقية واحد مقابل واحد، باتت السلطات البريطانية مخولة باعتقال هؤلاء المهاجرين وإيداعهم في مراكز احتجاز بانتظار إعادتهم إلى فرنسا خلال مهلة لا تتجاوز 14 يوماً.

ويقول المهاجرون المحتجزون، ومعظمهم من السودان وأفغانستان وإيران، إنهم لم يُمنحوا فرصة حقيقية لفهم أوضاعهم القانونية، وإنهم حُرموا من التواصل مع محامين، وتعرضوا لاحتجاز تعسفي دون توضيحات كافية حول مصيرهم أو مواعيد ترحيلهم.

معاناة نفسية وشهادات صادمة

بحسب ما نقلته صحيفة الغارديان عن محتوى التقرير، فإن عدداً من المهاجرين المحتجزين يعانون هشاشة في صحتهم النفسية، وقد تم توثيق حوادث متعددة شملت محاولات إيذاء النفس داخل المركز، وأفاد مهاجرون بأنهم وُضعوا في الحبس الانفرادي أو وحدات تأديبية، وهو ما فاقم شعورهم بالعزلة واليأس وعدم اليقين.

ويصف المحتجزون المناخ السائد داخل المركز بأنه يولد الخوف المستمر، ويؤدي إلى تدهور حالتهم النفسية، في ظل محدودية الوصول إلى الرعاية الطبية، وغياب الدعم النفسي الكافي، إضافة إلى ما وصفوه بالمعاملة القاسية والمهينة من قبل بعض العاملين.

انتقادات متكررة لمركز هارموندسوورث

لا تعد هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها مركز هارموندسوورث لانتقادات حادة. ففي عام 2024 نشر تشارلي تايلور، كبير مفتشي السجون في المملكة المتحدة، تقريراً رسمياً وصف فيه أوضاع المركز بأنها الأسوأ مقارنة بجميع مراكز احتجاز المهاجرين التي جرى تفتيشها، وأشار التقرير حينها إلى الاكتظاظ، وسوء ظروف الإقامة، وضعف الرعاية الصحية، وغياب المعاملة الكريمة للمحتجزين.

وتختلف إدارة مراكز الاحتجاز في المملكة المتحدة عن نظيرتها في فرنسا، إذ تُدار هذه المراكز في بريطانيا من قبل شركات خاصة، منها شركة ميتي، وهو ما يثير جدلاً واسعاً حول مستوى الرقابة والمساءلة، مقارنة بالنموذج الفرنسي الذي تتولى فيه الدولة إدارة هذه المرافق بشكل مباشر.

رد وزارة الداخلية البريطانية

في المقابل رفضت وزارة الداخلية البريطانية بشكل قاطع الاتهامات الواردة في تقرير المهاجرين، ونقلت صحيفة الغارديان عن متحدث باسم الوزارة قوله إن الوزارة لا تعترف بالادعاءات المتعلقة بظروف الاحتجاز في مركز هارموندسوورث، مؤكداً أن سلامة المحتجزين تمثل أولوية قصوى للسلطات.

وأضاف المتحدث أن حماية حدود بريطانيا تظل أولوية مطلقة، وأن اتفاقية واحد مقابل واحد تتيح إعادة الوافدين عبر القوارب الصغيرة مباشرة إلى فرنسا، ما يسهم في تقويض شبكات التهريب والجريمة المنظمة التي تستغل المهاجرين وتعرض حياتهم للخطر.

تشديد الإجراءات ومصادرة الهواتف

يتزامن نشر هذه الشكاوى مع بدء تطبيق صلاحيات حكومية جديدة تمنح الشرطة البريطانية سلطات أوسع عند وصول المهاجرين إلى الموانئ بعد إنقاذهم في بحر المانش، وبموجب هذه الصلاحيات يحق للضباط تفتيش المهاجرين بشكل دقيق، ومن ذلك مطالبتهم بخلع المعاطف والقفازات، وتفتيش أفواههم بحثاً عن شرائح اتصال مخفية، إضافة إلى مصادرة الهواتف المحمولة.

وتقول الحكومة البريطانية إن هذه الإجراءات تهدف إلى جمع معلومات استخباراتية عن شبكات تهريب البشر، وتفكيك منظومات الجريمة المنظمة التي تنشط عبر المانش، غير أن منظمات حقوقية تحذر من أن هذه التدابير قد تنتهك خصوصية المهاجرين وحقوقهم الأساسية، وتفاقم شعورهم بالإذلال والخوف.

أرقام قياسية لعبور المانش

بحسب بيانات وزارة الداخلية البريطانية وصل 41472 مهاجراً إلى المملكة المتحدة خلال عام 2025 بعد عبورهم بحر المانش على متن قوارب صغيرة قادمة من فرنسا، ويعد هذا الرقم ثاني أعلى عدد يتم تسجيله منذ بدء تتبع هذه الظاهرة بشكل منهجي عام 2018، ما يعكس استمرار الضغوط على السلطات البريطانية رغم تشديد السياسات والإجراءات.

وفي تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" في ديسمبر الماضي، قال وزير أمن الحدود أليكس نوريس إن اتفاقية واحد مقابل واحد أسفرت حتى الآن عن إعادة 193 شخصاً قسراً إلى فرنسا، مقابل استقبال 195 آخرين في المملكة المتحدة ضمن الآلية المتفق عليها.

إصرار المهاجرين رغم القيود

ورغم تشديد السياسة البريطانية وتزايد عمليات الإعادة القسرية، تشير التقارير الميدانية إلى أن المهاجرين الموجودين في شمال فرنسا لا يبدون أي نية للتراجع عن خططهم. فكثير منهم لا يملكون معلومات دقيقة عن التعديلات القانونية الجديدة، في حين يرى آخرون أن التخلي عن محاولة العبور يصبح مستحيلاً بعد أن يقطعوا آلاف الكيلومترات ويصلوا إلى مشارف الساحل البريطاني.

ويقول عاملون في المجال الإنساني إن المهاجرين غالباً ما يفضلون المخاطرة بالعبور على العودة إلى واقع الفقر أو الحرب أو الاضطهاد في بلدانهم الأصلية، حتى في ظل علمهم بإمكانية الاحتجاز أو الإعادة السريعة.

تشكل الهجرة غير النظامية عبر بحر المانش إحدى أكثر القضايا حساسية في السياسة البريطانية والأوروبية خلال السنوات الأخيرة، ويعود جزء كبير من الظاهرة إلى تشديد الرقابة على طرق الهجرة التقليدية، ما دفع آلاف المهاجرين إلى سلوك مسارات بحرية خطرة. وتواجه الحكومات الأوروبية معضلة الموازنة بين حماية الحدود ومكافحة شبكات التهريب، وبين الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وضمان معاملة كريمة لطالبي اللجوء، ويثير الجدل الحالي حول مركز هارموندسوورث تساؤلات متجددة بشأن دور مراكز الاحتجاز، وحدود السياسات الردعية، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية للدول تجاه الأشخاص الفارين من الأزمات بحثاً عن الأمان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية