بعد استبعاد كاتبة فلسطينية.. مقاطعة أدبية تهز مهرجان أديلايد الأسترالي

بعد استبعاد كاتبة فلسطينية.. مقاطعة أدبية تهز مهرجان أديلايد الأسترالي
الأكاديمية والكاتبة الفلسطينية راندة عبد الفتاح

تفجرت موجة غضب واسعة في الأوساط الثقافية والأدبية في أستراليا بعد إعلان عشرات الكتّاب والمشاركين انسحابهم من مهرجان أديلايد الثقافي، احتجاجا على قرار إدارة المهرجان استبعاد الأكاديمية والكاتبة الفلسطينية الأسترالية راندة عبدالفتاح من برنامج أسبوع الكتاب، المقرر انعقاده الشهر المقبل، في خطوة عدّها كثيرون سابقة خطرة تمس حرية التعبير والعدالة الثقافية.

وبحسب ما أوردته وكالة شهاب الإخبارية، السبت، جاء قرار الاستبعاد رغم مشاركة عبد الفتاح في نسخة عام 2023، حيث أدارت وشاركت آنذاك في عدد من الجلسات الحوارية والفعاليات الفكرية دون أي إشكالات، ما جعل القرار الأخير مثار تساؤلات حادة داخل الوسط الثقافي في أستراليا.

ويعد أسبوع الكتاب أحد أبرز البرامج السنوية ضمن مهرجان أديلايد الثقافي، ويستقطب سنويا نخبة من الأدباء والمفكرين والفنانين من داخل أستراليا وخارجها، ويشمل فعاليات متنوعة تمتد من الأدب إلى الفنون والموسيقى والمسرح والنقاشات العامة، ويكتسب هذا البرنامج مكانة خاصة باعتباره مساحة للحوار الحر وتبادل الأفكار المختلفة، وهو ما جعل استبعاد كاتبة على خلفية مواقفها السياسية أمرا صادما لكثير من المشاركين.

تبريرات مثيرة للجدل

أصدرت إدارة المهرجان بيانا أعربت فيه عن حزنها وصدمتها إزاء الأحداث المأساوية التي وقعت في منطقة بوندي، وأوضحت أنها أبلغت راندة عبدالفتاح بعدم المضي قدما في مشاركتها المقررة، مبررة ذلك بدواع تتعلق بما وصفته بالحساسية الثقافية في هذه المرحلة، غير أن هذا التبرير لم يقنع شريحة واسعة من الكتاب والمثقفين الذين رأوا فيه غطاء لقرار إقصائي لا يستند إلى معايير فنية أو مهنية.

وفي المقابل، ردت راندة عبدالفتاح ببيان حاد اللهجة اعتبرت فيه أن قرار استبعادها يعكس سلوكا عنصريا ومخزيا بحق الفلسطينيين، مؤكدة أن ربط ظهورها الأدبي بأحداث أمنية لا علاقة لها بها هو أمر مهين يسلبها إنسانيتها ويحولها إلى هدف لإسقاط مخاوف سياسية وعنصرية لمجرد كونها فلسطينية وصاحبة مواقف معلنة.

وأضافت أن المؤسسات الفنية والثقافية الأسترالية، منذ 7 أكتوبر 2023، أظهرت استخفافا واضحا بمعاناة الفلسطينيين، مشيرة إلى أن الفلسطينيين الذين يسمح لهم بالظهور في هذه المنصات هم فقط أولئك الصامتون وغير المرئيين، في حين يتم إقصاء الأصوات النقدية والفاعلة.

انسحابات وتضامن متزايد

رد الفعل على استبعاد عبد الفتاح لم يتأخر، إذ أعلن 47 كاتبا ومشاركا انسحابهم من المهرجان تضامنا معها، مع توقعات بانضمام أسماء إضافية خلال الأيام المقبلة، وشملت قائمة المنسحبين أسماء بارزة في المشهد الأدبي الأسترالي، من بينهم هيلين غارنر وكلوي هوبر وسارة كراسنوستين، إلى جانب ميشيل دي كريتسر الحائزة جائزة مايلز فرانكلين، وميليسا لوكاشينكو ودروسيلا مودجيسكا، والشاعرة إيفلين أرالون.

كما انسحب الكاتب الأكثر مبيعا ترينت دالتون، الذي كان من المقرر أن يلقي الكلمة الرئيسية في إحدى الفعاليات المدفوعة ضمن أسبوع الكتاب، وهو انسحاب اعتبره مراقبون ضربة قوية لبرنامج المهرجان ومكانته.

في أعقاب هذه الانسحابات، أقدمت إدارة مهرجان أديلايد على إزالة صفحة جدول المشاركين من موقعها الإلكتروني، موضحة أن القائمة ستظل مؤقتا غير منشورة احتراما لرغبات الكتاب المنسحبين، إلى حين إدخال التعديلات اللازمة على البرنامج، هذه الخطوة زادت من حدة الانتقادات، حيث رأى البعض أنها تعكس ارتباكا في إدارة الأزمة أكثر من كونها حلا حقيقيا لها.

دعم من مؤسسات مدنية

شبكة الدفاع عن فلسطين في أستراليا أصدرت بيانا شديد اللهجة رفضت فيه مبررات المهرجان المتعلقة بالحساسية الثقافية، واعتبرت أن ما يجري لا يمكن وصفه بالحذر بل هو تمييز واضح، وقال رئيس الشبكة ناصر ماشني إن الرسالة التي يتم إيصالها هي أن كون الشخص فلسطينيا بات أمرا غير مقبول ثقافيا في هذا التوقيت، وهو ما يشكل سابقة خطرة في الحياة الثقافية الأسترالية.

وفي خطوة لافتة، أعلن معهد أستراليا سحب دعمه ورعايته لفعاليات المهرجان لهذا العام، تأكيدا على رفضه قرار استبعاد الكاتبة راندة عبدالفتاح، معتبرا أن المهرجان خالف القيم الأساسية التي يفترض أن تقوم عليها المؤسسات الثقافية.

جدل يتجاوز مهرجان أديلايد

القضية لم تعد محصورة في إطار مهرجان ثقافي بعينه، بل تحولت إلى نقاش وطني أوسع حول حرية التعبير وحدود ما يسمى بالحياد الثقافي، ودور المؤسسات الفنية في زمن الأزمات السياسية، ويرى كثير من المثقفين أن استبعاد الأصوات الفلسطينية أو المتضامنة معها يعكس اتجاها مقلقا نحو تسييس الثقافة وإخضاعها لضغوط سياسية وأمنية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إفراغ الفضاءات الثقافية من دورها النقدي، وتحويلها إلى منصات خاضعة للرقابة الذاتية والخوف من الجدل، ما يقوض جوهر العمل الثقافي نفسه.

يأتي هذا الجدل في سياق تصاعد التوتر داخل الأوساط الثقافية الأسترالية منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، حيث واجه عدد من الفنانين والكتاب الفلسطينيين أو المتضامنين مع القضية الفلسطينية قرارات إلغاء أو استبعاد من فعاليات عامة بدعوى الحفاظ على الحياد أو الحساسية الثقافية.

ويشير مراقبون إلى أن هذه السياسات أثارت نقاشا حادا حول ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا السياسية داخل المؤسسات الثقافية، ومدى التزامها فعليا بمبادئ حرية التعبير والتعددية، وفي ظل انسحابات جماعية من مهرجان أديلايد، يبدو أن هذا الحدث قد يشكل نقطة تحول في إعادة تعريف دور الثقافة في أستراليا، إما كمساحة مفتوحة لكل الأصوات، أو كمجال يخضع لاعتبارات الإقصاء والصمت.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية