مُحاصرون بين المجاعة والأوبئة.. تحذيرات طبية من أمراض تفتك بسكان غزة

مُحاصرون بين المجاعة والأوبئة.. تحذيرات طبية من أمراض تفتك بسكان غزة
نازحون فلسطينيون في غزة

في أروقة مستشفى الشفاء الطبي بغزة تتقاطع صور المعاناة اليومية مع تحذيرات طبية متصاعدة من خطر صحي داهم يهدد حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين، حيث أعلن مدير مجمع الشفاء الطبيب محمد أبو سلمية عن انتشار فيروسات تنفسية خطيرة تفتك بالسكان، في ظل انهيار شبه كامل لجهاز المناعة نتيجة التجويع وسوء التغذية، وعجز حاد في المنظومة الصحية التي أنهكتها الحرب والحصار.

وبحسب ما نقلته إذاعة صوت فلسطين الرسمية الاثنين، أكد أبو سلمية أن المستشفيات تشهد انتشارا واسعا لفيروسات تنفسية يرجح أنها سلالات متحورة من الإنفلونزا أو فيروس كورونا، مشيرا إلى أن هذه الفيروسات أصبحت أكثر فتكا بسبب الانهيار التام في مناعة السكان، وهو انهيار سببه المباشر المجاعة ونقص الغذاء الحاد الذي يعاني منه معظم سكان القطاع.

أمراض تهاجم الأجساد الضعيفة

الأطباء في غزة يواجهون مشهدا قاسيا يتمثل في مرضى لا تملك أجسادهم الحد الأدنى من القدرة على مقاومة العدوى، فسنوات من الحصار، ثم حرب إبادة استمرت عامين، دفعت المجتمع الغزي إلى حافة الانهيار الصحي، ويؤكد أبو سلمية أن الفيروسات التي يمكن أن تكون عادية في ظروف طبيعية، تحولت في غزة إلى تهديد قاتل بسبب سوء التغذية المزمن ونقص الفيتامينات والبروتينات الأساسية.

وصف مدير مجمع الشفاء الأوضاع الصحية في القطاع بأنها مأساوية وقاتمة، نتيجة تداخل آثار حرب الإبادة مع انتشار الأوبئة بين مئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في خيام ومراكز إيواء مكتظة، هذا الاكتظاظ، إلى جانب غياب المياه النظيفة والصرف الصحي، خلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض، في وقت تعجز فيه المستشفيات عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية.

منظومة صحية على حافة الانهيار

تعاني المنظومة الصحية في غزة من عجز حاد نتيجة القيود الإسرائيلية التي تمنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة اللازمة للفحص والتشخيص، وأكد أبو سلمية أن هذا العجز يحرم الطواقم الطبية من القدرة على تشخيص الحالات بدقة أو تقديم العلاج المناسب، ما يؤدي إلى تفاقم الإصابات وارتفاع خطر الوفيات، خصوصا بين الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين.

لم تقتصر المأساة على الأمراض المعدية، إذ أشار أبو سلمية إلى وفاة 4 أطفال منذ بداية فصل الشتاء بسبب البرد القارس، في ظل انعدام وسائل التدفئة داخل خيام النازحين، ويعيش آلاف الأطفال في ظروف قاسية، بأجساد ضعيفة لا تحتمل البرد أو المرض، وسط نقص حاد في الملابس الشتوية والوقود.

الضغط المتواصل على المستشفيات تجاوز كل الحدود، حيث وصلت نسبة إشغال الأسرة إلى 150 في المئة، وفق تأكيدات إدارة مجمع الشفاء، هذا الاكتظاظ يمنع استقبال حالات جديدة، ويجبر الأطباء على اتخاذ قرارات صعبة بشأن أولوية العلاج. وفي الوقت ذاته، لا يزال تقديم اللقاحات السنوية للفئات الهشة متعذرا، ما يفتح الباب أمام موجات وبائية أوسع.

تحذير من كارثة أكبر

حذّر أبو سلمية من أن استمرار الاكتظاظ في مراكز الإيواء، وغياب التدخل الطبي العاجل، سيؤديان إلى تفاقم الكارثة الصحية وارتفاع أعداد الوفيات، ليس فقط بسبب الأمراض، بل أيضا نتيجة الظروف الجوية القاسية، وأكد أن كل يوم تأخير في إدخال المساعدات الطبية والغذائية يعني مزيدا من الأرواح المهددة.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025، لم يلمس سكان غزة تحسنا ملموسا في أوضاعهم الإنسانية، ويعزو مسؤولون صحيون ذلك إلى تنصل إسرائيل من التزاماتها، خاصة ما يتعلق بفتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية، وبقيت القيود المفروضة على دخول الشاحنات عائقا أساسيا أمام أي استجابة إنسانية فعالة.

تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن نسبة العجز في قوائم الأدوية بلغت 52 في المئة، بينما وصلت نسبة العجز في المستهلكات الطبية إلى 71 في المئة، كما أكدت الوزارة أن إسرائيل قلصت دخول الشاحنات الطبية إلى أقل من 30 في المئة من الاحتياج الشهري، ما تسبب في أزمة خانقة في توفر الأدوية والمستلزمات الأساسية داخل المستشفيات والمراكز الصحية.

حصيلة حرب وخسائر مستمرة

خلّفت الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، كما تعرض نحو 90 في المئة من البنية التحتية المدنية للدمار، بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار، وهذه الخسائر الهائلة لم تترك فقط جراحا مفتوحة، بل دمرت أيضا أسس الحياة الصحية والاقتصادية في القطاع.

ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، قتلت إسرائيل 442 فلسطينيا وأصابت 1236 آخرين في قطاع غزة، وفق مصادر طبية، ويعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في ظروف إنسانية قاسية، تتسم بانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الأساسية، في مشهد يعكس هشاشة أي تهدئة لا ترافقها إجراءات إنسانية حقيقية.

بدأ التدهور الحاد في القطاع الصحي بقطاع غزة مع فرض الحصار الإسرائيلي المشدد منذ سنوات، إلا أن الوضع بلغ ذروته بعد اندلاع حرب الإبادة في 8 أكتوبر 2023، أدت العمليات العسكرية الواسعة إلى تدمير المستشفيات والمراكز الطبية، واستهداف الطواقم الصحية، ومنع الإمدادات الحيوية، ومع تفشي المجاعة وسوء التغذية، تراجعت مناعة السكان بشكل غير مسبوق، ما جعل غزة بيئة شديدة الهشاشة أمام أي وباء، وفي ظل استمرار القيود على المعابر ونقص التمويل الدولي الكافي، يحذر الأطباء من أن القطاع يقف على أعتاب كارثة صحية طويلة الأمد، قد تمتد آثارها لأجيال قادمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وشاملة لإنقاذ ما تبقى من النظام الصحي وحماية حياة المدنيين.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية