مع الاحتفاظ بخيارات بديلة.. الحكومة البريطانية تتراجع عن إلزامية بطاقة الهوية الرقمية
مع الاحتفاظ بخيارات بديلة.. الحكومة البريطانية تتراجع عن إلزامية بطاقة الهوية الرقمية
خففت الحكومة البريطانية بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر من خططها لإلزام المواطنين والوافدين ببطاقات هوية رقمية، في خطوة تهدف إلى تهدئة الجدل السياسي والاجتماعي الذي أثارته هذه المبادرة منذ الإعلان عنها في سبتمبر الماضي، وأكدت الحكومة، الأربعاء، أن البطاقة الرقمية لن تكون شرطاً للحصول على وظيفة، متراجعة بذلك عن أحد البنود الأساسية في السياسة التي كانت تهدف إلى السيطرة على سوق العمل والهجرة.
وقالت وزيرة النقل هيدي أليكسندر في تصريحات أوردتها شبكة "بي.بي.سي" البريطانية: "قد تكون بطاقة الهوية الرقمية وسيلة لإثبات أهليتك للعمل، لكنها ليست الوثيقة الوحيدة"، موضحة أن المواطنين سيتمكنون من استخدام مستندات أخرى مثل جواز السفر البيومتري، ويأتي هذا التعديل بعد أن أثار إعلان ستارمر في سبتمبر الماضي جدلاً واسعاً حين قال إن الحصول على وظيفة في المملكة المتحدة سيكون مشروطاً بامتلاك البطاقة الرقمية، مؤكداً أن الأمر واضح ولا يحتاج إلى تفسير.
الجدل السياسي والمخاوف الشعبية
تواجه الحكومة انتقادات من أكثر من جهة سياسية، فقد أعرب معارضون عن خشيتهم من أن البطاقة الرقمية كانت ستصبح أداة لمراقبة المواطنين والسيطرة على الهجرة بشكل مفرط، بينما حذر نواب داخل حزب العمال الحاكم من أن إلزامية البطاقة قد تثير احتجاجات شعبية وتزيد التوتر بين الحكومة والجمهور، ويشير محللون سياسيون إلى أن تعديل السياسة يعكس محاولة لتقليل الاحتكاكات مع المواطنين، وإظهار استجابة للحوار العام قبل إطلاق استشارة شعبية شاملة حول المشروع.
وقد أظهر استطلاع حديث أن نحو 60 في المئة من البريطانيين يشعرون بالقلق من فكرة ربط البطاقة الرقمية بالوظائف، معتبرين أن ذلك قد يشكل ضغطاً إضافياً على المواطنين ويحد من حرية التنقل والعمل، كما أبدى العديد من خبراء الخصوصية مخاوفهم من إمكانية استخدام البيانات الشخصية المخزنة في هذه البطاقات لمراقبة النشاطات اليومية للأفراد أو استهداف مجموعات معينة.
إطلاق استشارة عامة لتحديد الإطار القانوني
أعلنت الحكومة البريطانية أن الخطط التفصيلية لبطاقات الهوية الرقمية سيتم وضعها بعد استشارة عامة، ستطلق قريباً، تهدف إلى جمع آراء المواطنين والخبراء حول أفضل السبل لتطبيق المشروع دون المساس بحقوق الأفراد، ومن المتوقع أن تركز الاستشارة على تحديد استخدامات البطاقة الرقمية، وطبيعة الوثائق البديلة المقبولة، والضمانات القانونية لحماية الخصوصية وحقوق الأفراد، بما يشمل قواعد صارمة حول تخزين البيانات ومنع استغلالها في أغراض غير قانونية.
وستتيح الاستشارة العامة فرصة للأفراد والمجتمع المدني للتعبير عن آرائهم بشأن التوازن بين أمن الدولة وحرية المواطنين، وهو التحدي الأساسي الذي تواجهه الحكومة، ويأمل الخبراء أن تساعد هذه الخطوة في صياغة قانون متوازن يحقق أهداف الأمن والهجرة دون الإضرار بحقوق الأفراد الأساسية.
البطاقة الرقمية بين الأمن والحرية
لطالما اعتبرت بطاقات الهوية الرقمية أداة مثيرة للجدل، إذ يرى مؤيدوها أنها تساعد في تنظيم سوق العمل ومراقبة الهجرة بشكل أكثر فعالية، بينما يعتبرها معارضوها انتهاكاً للخصوصية ووسيلة محتملة للمراقبة الحكومية المكثفة.
ويشير النقاش الحالي إلى الحاجة إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحقوق الشخصية، بحيث لا يتحول مشروع الهوية الرقمية إلى أداة للضغط على المواطنين أو لإجبارهم على تقديم معلومات شخصية حساسة، ويؤكد محللون أن التحدي الأكبر يكمن في ضمان أن البيانات الرقمية المخزنة في البطاقة محمية بشكل كافٍ، وأن استخدامها يكون محدوداً للأغراض الرسمية فقط.
تجارب دولية مقارنة
دول عدة في العالم سبق وأن طبقت نظم بطاقات هوية رقمية، مثل إستونيا والدنمارك وسنغافورة، وقدمت تجارب مختلفة في هذا المجال، ففي إستونيا، يُستخدم النظام الرقمي لتقديم الخدمات الحكومية، مع تطبيق إجراءات صارمة لحماية الخصوصية وشفافية عالية في الوصول إلى البيانات، ما جعل المواطنين يشعرون بالأمان وعدم القلق من سوء الاستخدام، أما في دول أخرى، فقد أثارت البطاقات الرقمية قلق المواطنين حول الخصوصية ومراقبة الدولة، خاصة عندما تم ربط البطاقة بالخدمات المالية أو سوق العمل.
ويعتبر تحليل هذه التجارب مفيداً للحكومة البريطانية، إذ يمكن الاستفادة من الأنظمة الناجحة مع تجنب المخاطر المرتبطة بالبيانات الشخصية، مع إدراك أن البيئة السياسية والاجتماعية في المملكة المتحدة تختلف عن تلك الدول، ويجب تكييف الحلول بما يتوافق مع القانون البريطاني والمعايير الأوروبية لحماية البيانات.
التحديات المستقبلية
رغم التراجع عن إلزامية البطاقة للعمل، يبقى المشروع مثار جدل كبير، خاصة في ظل تزايد استخدام الخدمات الرقمية وربطها بالهوية الشخصية، ويشير خبراء القانون الرقمي إلى أن أي استخدام خاطئ للبطاقات الرقمية قد يؤدي إلى انتهاك الحقوق الأساسية للمواطنين، كما قد يسهل انتشار الابتزاز الرقمي أو استخدام البيانات لأغراض سياسية.
ويضيف الخبراء أن على الحكومة أن تضمن وجود آليات فعالة للتظلم والتدخل السريع لحماية الأفراد، وأن يكون هناك رقابة مستقلة على عمليات إدارة البيانات، بما يعزز الثقة بين المواطنين والدولة، كما يحذرون من أن المشروع، إذا لم يطبق بحذر، قد يؤدي إلى آثار سلبية على سوق العمل، حيث قد يختار بعض أرباب العمل الاعتماد على الوثائق التقليدية فقط، أو رفض توظيف بعض الفئات التي لم تلتزم بالبطاقة الرقمية.
بدأت فكرة بطاقات الهوية الرقمية في المملكة المتحدة منذ سنوات، لكنها عادت إلى الواجهة مع حكومة كير ستارمر كجزء من خطط السيطرة على الهجرة وتنظيم سوق العمل، وتواجه الفكرة انتقادات قوية من مجموعات حقوقية ونواب برلمانيين يرون أنها قد تمثل تهديداً للخصوصية وتوسع سلطة الدولة في تتبع الأفراد.
وتشير الدراسات إلى أن تطبيق مثل هذه البطاقات يمكن أن يُسهل عمليات التحقق من الهوية ويحد من التزوير، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف حول كيفية تخزين البيانات وحمايتها من الاختراقات أو الاستخدام غير القانوني، وتأتي تجربة الدول الأوروبية والآسيوية لتوضح أن نجاح البطاقات الرقمية يعتمد على وضع إطار قانوني شامل، يوازن بين حماية الحقوق الشخصية وتحقيق الأهداف الأمنية والإدارية.
ومع تخفيف الحكومة البريطانية شروط إلزامية البطاقة الرقمية، تظهر فرصة لإعادة تصميم المشروع بطريقة تضمن حقوق المواطنين، مع إدماج التكنولوجيا الرقمية في خدمة الأمن والهجرة بطريقة متوازنة ومسؤولة، كما أن الاستشارة العامة المزمع إطلاقها تمثل خطوة مهمة لإشراك الجمهور في صنع القرار وإيجاد حلول تحظى بالقبول الشعبي، مع الحفاظ على الالتزام بالقوانين الأوروبية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.










