زعيمة المعارضة الفنزويلية تهدي ترامب ميدالية نوبل.. والمعهد النرويجي: لا يمكن التنازل عنها
زعيمة المعارضة الفنزويلية تهدي ترامب ميدالية نوبل.. والمعهد النرويجي: لا يمكن التنازل عنها
شهد البيت الأبيض، أمس الخميس، لحظة سياسية لافتة حين قدمت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو ميدالية جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة رمزية تحمل أبعادا سياسية عميقة، وتعكس مساعيها للتأثير في مسار القرار الأمريكي المتعلق بمستقبل فنزويلا، البلد الذي يعيش واحدة من أعقد أزماته السياسية منذ عقود.
ووفقا لما نقلته وكالة رويترز، الجمعة، أكد مصدر رسمي أن ترامب ينوي الاحتفاظ بالميدالية، فيما نشر الرئيس الأمريكي رسالة عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أعرب فيها عن امتنانه لهذه اللفتة، واعتبرها تعبيرا عن الاحترام المتبادل بينه وبين ماتشادو.
اللقاء الذي جرى على مأدبة غداء واستمر لما يزيد قليلا على ساعة، يعد أول اجتماع مباشر بين ترامب وماتشادو، وقد وصفته زعيمة المعارضة الفنزويلية بأنه ممتاز، مؤكدة أنها قدمت الميدالية تقديرا لما اعتبرته التزام الرئيس الأمريكي بحرية الشعب الفنزويلي ودعمه لقضيته.
وأوضحت ماتشادو أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعيها لحشد دعم سياسي دولي يمكن أن يسهم في إعادة رسم المشهد السياسي في فنزويلا، لا سيما في ظل حالة الجمود والانقسام التي تعيشها البلاد.
جائزة لا تنتقل
ورغم أن ماتشادو أهدت ترامب الميدالية الذهبية التي يحصل عليها الفائزون بجائزة نوبل للسلام، فإن معهد نوبل النرويجي حسم الجدل حول إمكانية نقل أو مشاركة الجائزة، وأكد المعهد في بيان رسمي أن جائزة نوبل لا يمكن التنازل عنها أو مشاركتها أو إلغاؤها بعد إعلانها، وأن قرار منحها نهائي وغير قابل للطعن.
وأوضح المعهد أن اللجان المانحة لا تعلق على تصرفات أو مواقف الفائزين بعد استلام الجائزة، ما يعني أن التكريم الرسمي يبقى باسم ماتشادو وحدها، فيما يظل إهداء الميدالية خطوة رمزية لا تغير من الوضع القانوني للجائزة.
رهان على واشنطن
تأتي هذه المبادرة في وقت تحاول فيه ماتشادو تعزيز موقعها السياسي بعد أن رفض ترامب في وقت سابق فكرة تنصيبها زعيمة لفنزويلا بدلا من الرئيس نيكولاس مادورو، ورغم أن ترامب كان قد دعم سابقا حملة لمنحها جائزة نوبل للسلام، فإنه أعرب في مناسبات عدة عن تحفظه إزاء قدرتها على قيادة البلاد في المرحلة الحالية.
وتسعى ماتشادو إلى إعادة فتح قنوات التأثير داخل الإدارة الأمريكية، في منافسة غير مباشرة مع شخصيات نافذة داخل الحكومة الفنزويلية، لضمان أن يكون لها دور في أي تسوية سياسية مقبلة.
بعد اجتماع البيت الأبيض، انتقلت ماتشادو إلى مبنى الكابيتول حيث عقدت لقاءات مع أكثر من 12 عضوا في مجلس الشيوخ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وخلال هذه اللقاءات، عرضت رؤيتها للوضع في فنزويلا، مؤكدة أن القمع والانتهاكات لا تزال مستمرة، وأن أي تغيير شكلي في القيادة لم ينعكس تحسنا فعليا على أوضاع الحريات.
وفي تصريحات أدلت بها عقب الاجتماعات، شبهت ماتشادو ترامب بالماركيز دو لافاييت، الضابط الفرنسي الذي دعم الولايات المتحدة خلال حرب الاستقلال، مشيرة إلى حادثة تاريخية قام فيها لافاييت بتسليم ميدالية تحمل صورة جورج واشنطن إلى سيمون بوليفار، قائد استقلال فنزويلا، في محاولة لإضفاء بعد رمزي تاريخي على خطوتها.
موقف البيت الأبيض
من جهتها، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن ترامب كان يتطلع للقاء ماتشادو، لكنه لا يزال يتمسك بتقييمه الواقعي بشأن محدودية الدعم الداخلي الذي تحظى به لقيادة البلاد على المدى القصير، وأكدت استمرار دعم الإدارة الأمريكية لديلسي رودريغيز التي تتولى الرئاسة بالوكالة بعد أن كانت نائبة لمادورو.
ويعكس هذا الموقف توازنا دقيقا تحاول واشنطن الحفاظ عليه بين دعم شخصيات معارضة، وبين التعامل مع الواقع السياسي القائم في فنزويلا، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
وتعد ماتشادو واحدة من أبرز وجوه المعارضة الفنزويلية، وقد غادرت البلاد في عملية هروب جريئة عبر البحر في ديسمبر 2025، بعد تصاعد الضغوط الأمنية عليها. ومنذ ذلك الحين، تنشط في الخارج لكسب دعم سياسي ودولي لقضيتها، مستندة إلى شبكة علاقات مع سياسيين في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية.
وتنافس ماتشادو شخصيات أخرى داخل المشهد الفنزويلي على نيل دعم واشنطن، في ظل قناعة لدى أطراف عدة بأن الموقف الأمريكي سيكون حاسما في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
آمال بتحول ديمقراطي
وتزامنت زيارة ماتشادو مع تصاعد آمال لدى قطاعات من المعارضة والشتات الفنزويلي، عقب العملية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال نيكولاس مادورو، وقد عبر سياسيون وناشطون في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية عن تفاؤلهم بإمكانية انطلاق مسار جديد نحو التحول الديمقراطي في البلاد.
غير أن هذه الآمال تصطدم بواقع معقد، حيث ترى أطراف داخل المعارضة أن التغيير الحقيقي لا يزال بعيدا، في ظل استمرار القبضة الأمنية وتماسك مؤسسات الحكم.
تحذيرات من إعادة إنتاج السلطة
السناتور الديمقراطي كريس ميرفي، الذي شارك في لقاءات الكابيتول مع ماتشادو، قال إن زعيمة المعارضة أبلغت أعضاء مجلس الشيوخ بأن القمع في فنزويلا لا يختلف اليوم عما كان عليه خلال حكم مادورو، وأضاف أن ديلسي رودريغيز، القائمة بأعمال الرئيس، تدير البلاد بسلاسة وتكرس سلطتها يوما بعد يوم، مستفيدة من دعم ترامب.
وأشار ميرفي إلى أن الخطر يكمن في إعادة إنتاج النظام ذاته بوجوه مختلفة، ما قد يبدد آمال التغيير لدى الشارع الفنزويلي.
تعيش فنزويلا أزمة سياسية واقتصادية حادة منذ سنوات، ترافقت مع صراع بين السلطة والمعارضة، وعقوبات دولية، وانهيار واسع في الخدمات الأساسية، وتلعب الولايات المتحدة دورا محوريا في هذا الملف، سواء من خلال العقوبات أو دعم أطراف سياسية معينة، وقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات متعددة لإطلاق مسار انتقالي نحو الديمقراطية، إلا أنها تعثرت بسبب الانقسامات الداخلية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، تأتي تحركات ماريا كورينا ماتشادو كجزء من سباق سياسي معقد، تسعى من خلاله إلى تثبيت حضورها كشريك محتمل في أي تسوية مستقبلية، مستندة إلى رمزية دولية ودعم خارجي، في وقت لا يزال فيه مصير فنزويلا معلقا بين وعود التغيير ومخاوف إعادة إنتاج الأزمة.











