الهدوء الحذر.. احتواء مؤقت للاحتجاجات في إيران وسط اعتقالات جديدة وتحذيرات أمريكية

الهدوء الحذر.. احتواء مؤقت للاحتجاجات في إيران وسط اعتقالات جديدة وتحذيرات أمريكية
قوات أمنية في إيران

تشهد إيران في الوقت الراهن حالة من الهدوء الحذر بعد أسابيع من احتجاجات واسعة هزت مدناً عدة، في تطور يقول سكان ومنظمات حقوقية إنه يعكس نجاحاً مؤقتاً للحملة الأمنية المكثفة التي شنتها السلطات لاحتواء الغضب الشعبي، ويأتي هذا الهدوء وسط استمرار الاعتقالات وانتشار أمني غير مسبوق، في وقت تراقب فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها تطورات الوضع مع تصاعد التهديدات بالتدخل إذا استمر سقوط قتلى.

وذكرت وكالة رويترز الجمعة نقلاً عن جماعات حقوقية وسكان محليين أن الاحتجاجات تراجعت بشكل ملحوظ منذ أيام، في حين تواصل وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية نشر تقارير عن توقيف مزيد من الأشخاص في إطار ما تصفه السلطات بحملة لإعادة الاستقرار.

ضغوط أمريكية ومساعٍ إقليمية

تزامن هذا التطور مع تهديدات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري دعماً للمتظاهرين، وهي تهديدات أثارت قلقاً واسعاً في المنطقة، غير أن المخاوف من ضربة أمريكية وشيكة تراجعت منذ يوم الأربعاء، عندما أعلن ترامب أنه تلقى معلومات تشير إلى انخفاض عمليات القتل المرتبطة بحملة القمع.

وقال مسؤول خليجي إن دولاً حليفة للولايات المتحدة، منها السعودية وقطر، كثفت اتصالاتها الدبلوماسية مع واشنطن خلال الأسبوع الجاري في محاولة لثنيها عن أي عمل عسكري ضد إيران، وحذر المسؤول من أن أي ضربة من هذا النوع ستكون لها تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأسرها، وقد تنعكس آثارها في نهاية المطاف على المصالح الأمريكية نفسها.

من جانبه أكد البيت الأبيض أن ترامب يتابع الوضع في إيران عن كثب، مشيراً إلى أن الرئيس وفريقه وجهوا تحذيرات مباشرة لطهران من عواقب وخيمة إذا استمرت عمليات القتل المرتبطة بالحملة الأمنية، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الرئيس على علم بوقف تنفيذ 800 عملية إعدام، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة.

بداية الاحتجاجات وتحولها

اندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 على خلفية ارتفاع معدلات التضخم وتدهور الأوضاع المعيشية، في بلد يعاني اقتصاده من ضغوط شديدة بسبب العقوبات الدولية، وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات مطالبها الاقتصادية لتتحول إلى واحدة من كبرى التحديات التي تواجه المؤسسة الدينية الحاكمة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، مع اتساع رقعتها وارتفاع سقف الشعارات.

وعلى الرغم من القيود الصارمة على تدفق المعلومات بسبب انقطاع الإنترنت وتشديد الرقابة، نقل سكان من العاصمة طهران أن المدينة تشهد هدوءاً ملحوظاً منذ يوم الأحد، وقالوا إن طائرات مسيرة تحلق في سماء المدينة بشكل دائم، في حين لم تُرصد أي تجمعات احتجاجية كبيرة يومي الخميس والجمعة.

انتشار أمني واسع

أكدت منظمة هنجاو الحقوقية الكردية الإيرانية، ومقرها النرويج، أنه لم تُسجل أي تجمعات احتجاجية منذ يوم الأحد، مشيرة إلى أن الظروف الأمنية لا تزال مشددة للغاية. وقالت المنظمة إن مصادرها المستقلة تؤكد وجود انتشار عسكري وأمني كثيف في المدن والبلدات التي شهدت احتجاجات سابقة، بل وحتى في مناطق لم تشهد مظاهرات كبيرة من قبل.

وأفاد سكان في مدن أخرى، بينها مناطق مطلة على بحر قزوين شمال البلاد، بأن الشوارع بدت هادئة أيضاً، مع حضور واضح لقوات الأمن، وطلب معظم من تحدثوا عن الوضع عدم ذكر أسمائهم، خوفاً من التعرض للملاحقة أو الانتقام.

اضطرابات متفرقة وتقارير متباينة

رغم هذا الهدوء النسبي، تشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى استمرار وقوع اضطرابات متفرقة في بعض المناطق، فقد ذكرت منظمة هنجاو أن ممرضة قتلت بنيران مباشرة أطلقتها القوات الحكومية خلال الاحتجاجات في مدينة كرج غرب إيران، وهو تقرير لم يتسن التحقق منه بشكل مستقل.

وفي المقابل أفادت وكالة تسنيم شبه الرسمية بأن من وصفتهم بمثيري الشغب أضرموا النار في مكتب تعليمي محلي بمنطقة فلاورجان في إقليم أصفهان يوم الخميس، كما تحدثت سيدة مسنة من بلدة في شمال غرب إيران، تقطنها غالبية كردية وكانت مسرحاً لاشتباكات عنيفة، عن استمرار احتجاجات محدودة لكنها أقل حدة من السابق، ووصفت مشاهد العنف التي شهدتها في الأيام الأولى بأنها غير مسبوقة.

وفي سياق متصل نقلت قناة برس تي في الحكومية عن قائد الشرطة الإيرانية قوله إن الهدوء عاد إلى جميع أنحاء البلاد، في تأكيد رسمي لنجاح الحملة الأمنية.

أرقام القتلى والمعتقلين

لم تسجل حصيلة القتلى التي أوردتها وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا” تغييراً كبيراً منذ يوم الأربعاء، إذ بلغت 2677 قتيلاً، بينهم 2478 متظاهراً و163 شخصاً قالت الوكالة إنهم تابعون للحكومة، في حين قال مسؤول إيراني إن عدد القتلى يناهز 2000 شخص.

وتشير هذه الأرقام إلى أن عدد الضحايا في الاحتجاجات الحالية يفوق حصيلة القتلى في موجات اضطرابات سابقة نجحت السلطات في احتوائها، كما أفادت هرانا باعتقال أكثر من 19000 شخص، في حين تحدثت وكالة تسنيم عن اعتقال 3000 فقط، في تفاوت يعكس صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة.

تحركات دولية واتصالات رفيعة

على الصعيد الدولي نقل موقع أكسيوس عن مصادر مطلعة أن رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي دافيد برنياع وصل إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات حول الوضع في إيران، في وقت تحدثت فيه مصادر أمريكية عن استعداد الجيش الأمريكي لإرسال قدرات دفاعية وهجومية إضافية إلى المنطقة تحسباً لأي قرار قد يصدر عن ترامب.

كما أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين منفصلين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بحث خلالهما تطورات الوضع في إيران وأبدى استعداد موسكو للوساطة، ونقلت وسائل إعلام إيرانية أن بزشكيان أبلغ بوتين بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لعبتا دوراً مباشراً في الاضطرابات، وهي اتهامات تكررها طهران في خطابها الرسمي.

تأتي الاحتجاجات الأخيرة في إيران في سياق داخلي وإقليمي معقد يتسم بتدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة العقوبات الدولية، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، إلى جانب حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي المتراكم. وعلى مدى العقود الماضية، واجهت الجمهورية الإيرانية موجات متكررة من الاحتجاجات، إلا أن الموجة الحالية تعد من الأكثر دموية واتساعاً، وتتهم السلطات الإيرانية بشكل متكرر أطرافاً خارجية بالتحريض على الاضطرابات، في حين ترى منظمات حقوقية أن الاستخدام المفرط للقوة وقيود الحريات يسهمان في تعميق الأزمة، وبينما يبدو الهدوء الحالي مؤشراً على احتواء مؤقت، يبقى مستقبل الاستقرار في البلاد مرهوناً بقدرة السلطات على معالجة جذور السخط الشعبي، في ظل ضغوط دولية وإقليمية متزايدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية