عبر القتل والاستيطان والتهجير القسري.. إسرائيل تمضي في فرض الضم بالضفة الغربية

عبر القتل والاستيطان والتهجير القسري.. إسرائيل تمضي في فرض الضم بالضفة الغربية
حرق ممتلكات الفلسطينيين في الضفة

تشهد الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في سياسات القتل والاستيطان والتهجير القسري، في ظل تسارع الخطوات الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع ميدانية دائمة تقود فعلياً إلى ضم الأراضي الفلسطينية، وهذا التصعيد لا يأتي في سياق أحداث معزولة أو ردود فعل أمنية آنية، بل ضمن مسار سياسي وعسكري ممنهج يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في الضفة الغربية، وتقويض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

وأكدت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في بيان، اليوم الخميس، أن ما يجري على الأرض يمثل أدوات واضحة لمخطط ضم متكامل، تستخدم فيه إسرائيل القوة العسكرية والتشريعات القانونية والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بوصفها وسائل متوازية لفرض السيطرة الدائمة على الأرض، ووجهت الجبهة رسالة إلى مئات الأحزاب السياسية والنقابات والأطر الشعبية حول العالم، للتحذير من خطورة المرحلة الحالية وتداعياتها على مستقبل القضية الفلسطينية. 

سياسات ممنهجة 

بحسب ما ورد في الرسالة، فإن تولي الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة عام 2022 شكّل نقطة تحول حاسمة، حيث غابت منذ ذلك الحين أي مؤشرات على نية الدخول في مسار سياسي جاد يقود إلى تسوية عادلة أو استقرار إقليمي، وعلى العكس من ذلك، برز توافق واضح بين مكونات الحكومة على تسريع مشروع ضم الضفة الغربية، من خلال مصادرة الأراضي وفرض التهجير القسري على السكان الفلسطينيين باستخدام القوة العسكرية وأدوات القمع المختلفة.

وترى الجبهة أن هذه السياسات ليست طارئة أو رد فعل على تطورات أمنية، بل تأتي ضمن خطة متدرجة ومدروسة، مدعومة بسلسلة من القوانين والقرارات الحكومية والعسكرية التي تشكل الإطار التنفيذي لمخطط الضم، ويهدف هذا المسار إلى فرض الأمر الواقع تدريجياً، وتجاوز موجات الرفض الدولي عبر استنزافها وإفراغها من مضمونها العملي.

عام 2025 وذروة التوسع الاستيطاني

أشارت الجبهة الديمقراطية إلى أن عام 2025 سجّل أعلى معدلات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، في مؤشر واضح على إصرار الحكومة الإسرائيلية على خلق واقع جغرافي جديد يمنع أي تواصل جغرافي فلسطيني، ويغلق نهائياً أفق إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.

وتزامن هذا التوسع مع تصعيد غير مسبوق في هدم المنازل الفلسطينية، ومصادرة الأراضي الزراعية، وإصدار أوامر الإخلاء القسري، إضافة إلى تصاعد عمليات القتل والاعتقال اليومية. وترى الجبهة أن هذه الإجراءات تتكامل مع هدف استراتيجي معلن لدى مسؤولين إسرائيليين، يتمثل في تفكيك المخيمات الفلسطينية والقضاء عليها تحت ذرائع أمنية، في محاولة لضرب أحد أبرز رموز قضية اللاجئين الفلسطينيين.

جرائم المستوطنين 

لفت البيان إلى أن الجرائم التي يرتكبها المستوطنون لم تعد حوادث فردية أو أعمالاً عشوائية، بل تحولت إلى نمط ممنهج ومنظم، يجري تحت حماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي، وأشارت الجبهة إلى أن المنظمات الاستيطانية باتت أشبه بميليشيات منظمة، تمتلك السلاح والدعم السياسي، وتتحرك في كثير من الأحيان بوصفها أداة تنفيذية للسياسات الرسمية على الأرض.

وتشمل هذه الجرائم الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين، إحراق المنازل والمركبات، تدمير المحاصيل الزراعية، والاستيلاء على الأراضي بالقوة، وترى الجبهة أن هذا التكامل بين عنف المستوطنين والسياسات الحكومية يهدف إلى دفع الفلسطينيين نحو الرحيل القسري، وخلق بيئة طاردة للحياة اليومية، تمهيداً لإحكام السيطرة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الأرض بأقل عدد من السكان الأصليين.

عوامل دولية وإقليمية مساعدة

حددت الجبهة الديمقراطية أربعة عوامل رئيسية تستند إليها إسرائيل في تنفيذ مخطط الضم، أولها استمرار الدعم السياسي والعسكري من بعض الدول الغربية ودول حلف شمال الأطلسي، والذي يوفر غطاءً سياسياً وأمنياً يسمح لإسرائيل بالمضي قدماً دون خشية من مساءلة جدية، وثانيها ضعف الموقفين العربي والفلسطيني، سواء على المستوى الرسمي أو في إطار الفعل السياسي الموحد، ما يحد من القدرة على تشكيل ضغط فعلي ومؤثر.

العامل الثالث يتمثل في عجز المجتمع الدولي عن ترجمة مواقفه المعلنة إلى إجراءات عملية رادعة، حيث تقتصر معظم الردود على بيانات إدانة لا تترافق مع عقوبات أو تدابير ملزمة، أما العامل الرابع فهو الدعم السياسي والحزبي الداخلي داخل إسرائيل الذي يعزز نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة ويدفع باتجاه مزيد من التشدد والاستيطان.

نداء إلى الشعوب والقوى الدولية

في ختام رسالتها شددت الجبهة الديمقراطية على أن الدفاع عن الأرض في مواجهة الاستيطان وسرقة الأراضي يشكل العنوان المركزي والمهمة الوطنية الأساسية في هذه المرحلة من نضال الشعب الفلسطيني، وأكدت أن هذا النضال لا يمكن أن يقتصر على الداخل الفلسطيني وحده، بل يجب أن يتكامل مع حركة الشعوب والقوى السياسية والنقابية حول العالم.

ودعت الجبهة الأحزاب والنقابات والأطر الشعبية إلى ممارسة ضغط حقيقي على حكوماتها، خصوصاً الدول الغربية التي ما زالت تقدم الدعم لإسرائيل؛ من أجل اتخاذ إجراءات عقابية تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، كما طالبت بتوجيه الضغط نحو الشركات التي تواصل تزويد إسرائيل بوسائل القتل والتدمير، وتحميلها المسؤولية القانونية والأخلاقية عن دورها في استمرار الانتهاكات.

يأتي هذا التصعيد في سياق تاريخي طويل من السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية التي بدأت منذ احتلالها عام 1967، وشهدت تسارعاً ملحوظاً بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، رغم الالتزامات المعلنة بتجميد الاستيطان، وعلى مدار السنوات الماضية، استخدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الاستيطان أداة رئيسية لفرض وقائع ميدانية تعوق أي حل سياسي قائم على مبدأ الدولتين.

وتشير تقارير دولية متعددة إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية، ومنها القدس الشرقية، تجاوز 700000 مستوطن، موزعين على مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، ويُعد الاستيطان، وفقاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، ورغم ذلك لم تواجه إسرائيل حتى الآن إجراءات دولية فعالة توقف هذا المسار، ما شجعها على المضي قدماً في سياسات الضم الزاحف التي باتت تشكل اليوم أحد أخطر التحديات أمام مستقبل القضية الفلسطينية والاستقرار في المنطقة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية