بين الثلوج والخوف.. سكان شمال غرب باكستان يفرون من مواجهة محتملة مع مسلحين

بين الثلوج والخوف.. سكان شمال غرب باكستان يفرون من مواجهة محتملة مع مسلحين
سكان شمال غرب باكستان

تشهد المناطق الجبلية النائية في شمال غرب باكستان موجة نزوح واسعة أثارت قلقاً إنسانياً متزايداً، بعدما اضطر عشرات الآلاف من السكان إلى مغادرة منازلهم خلال الأسابيع القليلة الماضية، في ظل تحذيرات غير رسمية بثتها مساجد محلية دعت العائلات إلى الإجلاء تحسباً لعملية عسكرية محتملة ضد مسلحين إسلاميين متشددين. هذا النزوح الجماعي الذي جرى في ظروف مناخية قاسية أعاد إلى الواجهة أسئلة شائكة حول حماية المدنيين وحقهم في الأمن والمعلومة والعيش دون تهديد.

وبحسب ما نقلته وكالة رويترز السبت عن سكان ومسؤولين محليين، فإن موجة النزوح طالت وادي تيرا في إقليم خيبر بختونخوا المتاخم لأفغانستان، حيث غادرت آلاف العائلات المنطقة إلى بلدات مجاورة، رغم تساقط الثلوج بكثافة والانخفاض الحاد في درجات الحرارة، استجابة لإعلانات طالبتهم بتجنب مخاطر اندلاع قتال وشيك.

إعلانات الإجلاء تقود النزوح

سكان وادي تيرا أكدوا أن قرارهم بالمغادرة لم يكن اختياراً سهلاً، بل جاء تحت ضغط الخوف من مواجهة مسلحة محتملة، وأوضحوا أن مكبرات الصوت في المساجد بثت تحذيرات متكررة دعت العائلات إلى الإخلاء الفوري، وهو ما دفع معظم السكان إلى حزم أمتعتهم القليلة والمغادرة على عجل نحو مناطق أكثر أمناً.

عملية النزوح جرت في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، فالعائلات اضطرت لعبور طرق جبلية وعرة وسط الثلوج والبرد القارس، ما حول الرحلة إلى اختبار قاسٍ للقدرة على البقاء، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن، وأفاد نازحون بأن بعض العائلات علقت لساعات وأيام بسبب تراكم الثلوج، في حين واجه آخرون نقصاً في الغذاء ووسائل التدفئة.

ذكر نازحون أن الرحلة لم تخلُ من المآسي، حيث توفي أطفال أثناء الطريق نتيجة البرد والإرهاق وصعوبة الوصول إلى المساعدة الطبية، وتسلط هذه الشهادات الضوء على الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه المدنيون عندما يضطرون للنزوح دون ترتيبات واضحة أو دعم فوري.

مسؤولون محليون في المنطقة أوضحوا أن آلاف العائلات التي فرت من وادي تيرا يجري حالياً تسجيلها في بلدات مجاورة للحصول على المساعدات، غير أن مصادر محلية تشير إلى أن حجم النزوح يفوق بكثير الإمكانات المتاحة، ما يهدد بخلق أزمة إنسانية صامتة في المناطق المستقبلة.

منطقة أمنية حساسة

يعد وادي تيرا من أكثر المناطق حساسية أمنياً في باكستان، إذ ينظر إليه منذ سنوات باعتباره معقلاً لحركة طالبان باكستان، وهي جماعة مسلحة تشن هجمات متكررة على قوات الأمن، وهذا الواقع جعل المنطقة مسرحاً دائماً للتوتر، ودفع السكان إلى العيش في حالة دائمة من القلق والترقب.

رغم ما يجري على الأرض، لم تعلن الحكومة الباكستانية رسمياً عن أي عملية إجلاء أو عملية عسكرية مخطط لها في وادي تيرا، ونفى وزير الدفاع خواجة محمد آصف وجود أي عملية جارية أو وشيكة، معتبراً أن حركة النزوح التي شهدتها المنطقة هي انتقال موسمي روتيني تفرضه الظروف الجوية القاسية في فصل الشتاء.

رواية مغايرة من الميدان

في المقابل شكك سكان ومسؤولون محليون في هذا التفسير، مؤكدين أن الثلوج والبرد ليست سبباً جديداً للنزوح، إذ اعتاد السكان على هذه الظروف سنوياً دون أن يتركوا منازلهم، وأشاروا إلى أن العامل الحاسم هذه المرة كان التحذيرات الأمنية التي بثت عبر المساجد، وما رافقها من مخاوف حقيقية من اندلاع مواجهات.

وقال مصدر عسكري باكستاني مطلع، طلب عدم الكشف عن هويته، إن حركة الانتقال جاءت بعد أشهر من المشاورات التي شارك فيها شيوخ قبائل ومسؤولون إقليميون وأجهزة أمنية، على خلفية معلومات عن وجود مسلحين يتحركون بين المدنيين ويمارسون ضغوطاً عليهم، وأوضح أن المدنيين شُجعوا على المغادرة مؤقتاً لتقليل مخاطر تعرضهم للأذى، في ظل استمرار عمليات استخباراتية محددة الأهداف، مع تأكيد عدم وجود استعداد لشن هجوم واسع بسبب التضاريس الجبلية والطقس الشتوي.

خلاف بين الحكومتين

رئيس حكومة إقليم خيبر بختونخوا سهيل أفريدي أكد الأسبوع الماضي أن حكومته لم تجرِ أي مشاورات بشأن عملية انتقال السكان أو أي تحرك أمني في وادي تيرا، واعتبر أن القرارات اتخذت خلف أبواب مغلقة دون إشراك الحكومة الإقليمية، نافيا الرواية الاتحادية التي تقول إن النزوح طوعي وموسمي.

أفريدي شدد على أن العائلات تهجر فعلياً تحت ذريعة عملية أمنية، وليس بسبب الطقس البارد، وهو ما يعكس تضارباً في المواقف الرسمية ويزيد من حالة الغموض التي تحيط بما يجري في المنطقة.

اهتمام وطني سابق

وكان وادي تيرا قد جذب اهتماماً وطنياً في سبتمبر الماضي، بعد انفجار أسفر عن سقوط قتلى في موقع يشتبه في استخدامه لتصنيع القنابل، حيث قدم مسؤولون وقادة محليون روايات متضاربة حول ما إذا كان بين الضحايا مدنيون، ما زاد من حساسية الوضع الأمني والإنساني في المنطقة.

تقع منطقة وادي تيرا في إقليم خيبر بختونخوا شمال غرب باكستان، قرب الحدود مع أفغانستان، وتتميز بتضاريس جبلية وعرة تجعل الوصول إليها صعباً، وعانت المنطقة على مدى سنوات من اضطرابات أمنية بسبب نشاط جماعات مسلحة، ما جعل سكانها عرضة للنزوح المتكرر، ورغم تعهدات رسمية متكررة بحماية المدنيين، غالباً ما يجد الأهالي أنفسهم عالقين بين المخاوف الأمنية وقسوة الطبيعة، دون ضمانات كافية أو خطط إجلاء شفافة، ويعيد النزوح الأخير تسليط الضوء على الحاجة الملحة إلى سياسات واضحة تحمي المدنيين، وتضمن حقهم في الأمان والمعلومة والمساعدة الإنسانية، بعيداً عن الارتجال والتناقض في الخطاب الرسمي.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية