بين الترحيل وضمانات الحرية.. القضاء الأمريكي يعيد الاعتبار لحقوق المهاجرين
بين الترحيل وضمانات الحرية.. القضاء الأمريكي يعيد الاعتبار لحقوق المهاجرين
تظهر ملامح أزمة حقوقية متصاعدة داخل منظومة الهجرة الأمريكية مع توسّع سياسة الاحتجاز الإلزامي التي تبنّتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي استهدفت إبقاء المهاجرين رهن الاحتجاز لفترات غير محددة، في مسارٍ أثار موجة غير مسبوقة من الدعاوى القضائية، وأعاد طرح تساؤلات جوهرية حول حدود السلطة التنفيذية وحقوق الإجراءات القانونية الواجبة للمهاجرين.
ودفعت سياسة الترحيل الجماعي التي تبنّتها الإدارة الأمريكية إلى اعتقال واحتجاز أعداد كبيرة من المهاجرين، في محاولة لتشديد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، لكن هذا النهج قاد إلى تدفّق واسع من الطعون القانونية التي أجبرت قضاة فيدراليين على إصدار أوامر بالإفراج عن مئات المحتجزين، ما وضع النظام القضائي أمام عبء متزايد، وفق ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز".
وأظهرت هذه الدعاوى القضائية أن الإدارة تجاهلت، في عدد من الحالات، تفسيرات قانونية راسخة تُلزم السلطات بالإفراج عن المهاجرين المحتجزين إذا تمكنوا من دفع الكفالة، وأدى هذا التوسع في الاحتجاز إلى ازدحام جداول المحاكم في عدة ولايات، فيما وجد محامو الحكومة أنفسهم مضطرين للدفاع عن سياسات الاحتجاز في ظل سيل من طلبات الإفراج المشروط.
وأوضحت محامية الهجرة جيسي كالميس أن مكتبها قدم ما لا يقل عن 40 طلبًا للإفراج المشروط منذ نوفمبر، وقد وافقت المحاكم على جميعها، مشيرة إلى أن العديد من المحتجزين عاشوا في الولايات المتحدة لأكثر من عشر سنوات ولديهم أبناء يحملون الجنسية الأمريكية.
وسجّلت المحاكم الفيدرالية في ولايات أريزونا ونيو مكسيكو وتكساس مئات القضايا الجديدة شهريًا، ما دفع وزارة العدل إلى إعادة توزيع المدعين العامين الجنائيين لمساندة القضايا المرتبطة بالهجرة، في مؤشر على حجم الضغط الذي فرضته هذه السياسة على الجهاز القضائي.
وغيّرت إدارة ترامب آلية اتخاذ قرارات الاحتجاز بشكل جذري، إذ ألغت الصلاحيات التقديرية لقضاة الهجرة الذين كانوا يمنحون الإفراج بكفالة للمهاجرين الذين لا يشكّلون تهديدًا للأمن العام أو خطرًا للهروب.
مجلس استئناف الهجرة
جاء هذا التغيير بعد أن أيّد مجلس استئناف الهجرة التابع لوزارة العدل القرار التنفيذي الذي أخضع معظم الموجودين بصورة غير قانونية للاحتجاز الإلزامي.
وأبدى قضاة اتحاديون في ولايات متعددة اعتراضهم على هذا التوجه، وأصدروا أوامر بالإفراج الفوري عن محتجزين أو عقد جلسات لتحديد الكفالة، في تأكيد على دور القضاء في مراجعة قرارات الاحتجاز.
وقالت المتحدثة باسم وزارة العدل ناتالي بالداساري إن الإدارة تلتزم بأوامر المحكمة وتنفذ قانون الهجرة الاتحادي بالكامل، معتبرة أن كثافة الدعاوى القضائية تعكس ما وصفته بعدم التزام بعض القضاة بتفسير القانون كما تراه الإدارة.
ووثّق قاضي المحكمة الجزئية الجنوبية لنيويورك أرون سوبرامانيان حجم الأزمة، مشيرًا إلى أن المحاكم امتلأت بقضايا متشابهة تتضمن عائلات مشتتة وأشخاصًا لا يشكّلون خطرًا، لكنهم محتجزون بلا أفق للإفراج، فيما يُنقل بعضهم إلى مراكز احتجاز بعيدة دون مبررات واضحة.
وأشارت رئيسة المحكمة الجزئية الشرقية في ولاية بنسلفانيا القاضية ويندي بيتلستون إلى أن أوامر الإفراج تُقدّم بشكل شبه يومي، فيما كشفت وثائق قضائية أن أحد القضاة في المحكمة الجزئية الغربية بولاية تكساس كان ينظر في 134 قضية تتعلق بطلبات الإفراج عن مهاجرين محتجزين حتى نهاية يناير.
جدل حول حدود الاحتجاز
ومن جانبها، كشف تحليل أجرته صحيفة "بوليتيكو" أن موجة الرفض القضائي لسياسة الاحتجاز الإلزامي اتخذت طابعًا واسعًا، إذ أصدر أكثر من 300 قاضٍ فيدرالي أحكامًا ضد هذه السياسة خلال ستة أشهر فقط، وأمروا بالإفراج عن مهاجرين أو منحهم جلسات استماع للكفالة في أكثر من 1600 قضية.
وبيّن التحليل أن القضاة الذين رفضوا هذه السياسة عُيّنوا من قبل رؤساء أمريكيين من اتجاهات سياسية مختلفة، في مؤشر على اتساع نطاق الاعتراض القانوني على التوسع في الاحتجاز الجماعي.
سجّلت المحاكم الفيدرالية زيادة ملحوظة في الدعاوى القانونية، حيث رُفعت أكثر من 100 قضية يوميًا للطعن في الاحتجاز، وهو ما وصفه أحد القضاة بمحاولة تشبه دفع صخرة إلى أعلى التل دون جدوى، في إشارة إلى استمرار الإدارة في الدفاع عن السياسة رغم الرفض القضائي المتكرر.
وسلط القاضي أرون سوبرامانيان الضوء على البعد الحقوقي للقضية، مؤكدًا أن للحكومة الحق في ترحيل الأشخاص الموجودين بصورة غير قانونية، لكنه شدد على أن طريقة التعامل مع هؤلاء الأشخاص تمثل اختبارًا لالتزام الدولة بسيادة القانون.
وأظهرت سجلات المحاكم تفاوتًا صارخًا في نتائج الطعون، إذ أيد 14 قاضيًا فقط موقف الإدارة مقابل مئات القضاة الذين رفضوه، بينهم قضاة عيّنهم الرئيس ترامب نفسه.
وأوضحت مساعدة وزير الأمن الداخلي تريشيا ماكلولين أن الحكومة تمارس صلاحيات الاحتجاز القصوى التي امتنعت عنها إدارات سابقة، معتبرة أن هذه السياسة تهدف إلى مواجهة ما وصفته بممارسات "القبض والإفراج" التي سمحت للمهاجرين بالبقاء خارج الاحتجاز خلال نظر قضاياهم.
وكشف الجدل القانوني عن توتر مزمن داخل قوانين الهجرة الأمريكية، إذ يسمح القانون باحتجاز المهاجرين الذين يدخلون البلاد بصورة غير شرعية، لكنه منح تاريخيًا جلسات كفالة للمقيمين لفترات طويلة إذا لم يشكّلوا خطرًا على المجتمع.
وسعت سلطات الهجرة إلى اعتبار المهاجرين المقيمين منذ سنوات طويلة ضمن فئة "المتقدمين بطلبات دخول"، وهو تفسير جديد رفضته غالبية المحاكم الفيدرالية.
ورغم تأييد مجلس استئناف الهجرة وجهة نظر الإدارة، أثار القرار موجة من الدعاوى الجماعية أمام المحاكم الفيدرالية، ما أبقى المسألة القانونية دون حسم نهائي، مع توقعات بوصولها إلى المحكمة العليا.
تداعيات إنسانية
وثّقت القضايا المعروضة أمام المحاكم آثارًا إنسانية عميقة لسياسات الاحتجاز، إذ أظهرت بيانات أن عدد المحتجزين في مراكز احتجاز المهاجرين ارتفع إلى نحو 70 ألف شخص، مقارنة بـ40 ألفًا قبل تولي الرئيس ترامب منصبه.
وبيّنت المعطيات أن أكثر من 70% من المحتجزين لم يُدانوا بأي جريمة، بينما عاش أكثر من ثلثي المهاجرين غير النظاميين في الولايات المتحدة لأكثر من عشر سنوات، ما يعزز فرص حصولهم على الإفراج في جلسات الكفالة.
دفعت هذه السياسات وزارة الأمن الداخلي إلى محاولة تقليل المواجهات القضائية عبر تشجيع المهاجرين على مغادرة البلاد طوعًا، من خلال حملات إعلامية تضمنت تحذيرات وعروضًا مالية تراوحت بين 3000 و5000 دولار للمحتجزين الذين يوافقون على المغادرة.
عكست الحالات الفردية التي نظرتها المحاكم حجم التعقيدات الحقوقية المرتبطة بالاحتجاز، إذ أُفرج عن كيلفن نكتالي، وهو مهاجر من السلفادور يبلغ 33 عامًا، بعد أن أُلقي القبض عليه أثناء توجهه إلى العمل في بوسطن، حيث أمر قاضٍ فيدرالي بعقد جلسة استماع للكفالة انتهت بالإفراج عنه.
وسجّلت المحاكم قضايا أخرى، بينها احتجاز المهاجرة البرازيلية ناديا دا روشا التي نُقلت إلى مركز احتجاز في أريزونا قبل الإفراج عنها بعد تقديم التماس قانوني.
نمط آخر من الاحتجاز
سلّطت "بوليتيكو" الضوء على نمط آخر من الاحتجاز تمثل في اعتقال مهاجرين صدرت بحقهم أوامر ترحيل سابقة رغم عدم وجود دول توافق على استقبالهم، وهو ما اعتبرته المحاكم انتهاكًا لقيود قانونية تمنع الاحتجاز غير المحدد زمنياً.
وأمرت المحكمة الجزئية الأمريكية القاضي روبرت لاسنيك بالإفراج عن امرأة فيتنامية احتُجزت رغم فشل الحكومة طوال 26 عامًا في الحصول على وثائق سفر لترحيلها، في قضية كشفت حدود استخدام الاحتجاز كأداة تنفيذية.
وسجّلت المحاكم كذلك قضية عائشة ديالو، وهي مهاجرة من غينيا تبلغ 52 عامًا، احتُجزت رغم وجود حكم سابق يشير إلى احتمال تعرضها للاضطهاد في بلدها، حيث وصف القاضي سوبرامانيان احتجازها بأنه إجراء غير قانوني.
وأظهرت هذه الأحكام أن المحاكم الفيدرالية أصبحت ساحة مركزية لإعادة تقييم سياسات الهجرة، في ظل استمرار الجدل حول حدود الاحتجاز الإلزامي وإمكانية توافقه مع الضمانات الدستورية والحقوق الأساسية للمهاجرين.
وبينما تستأنف الإدارة الأمريكية العديد من الأحكام الصادرة ضدها، تشير المؤشرات القضائية إلى استمرار تدفق الدعاوى القانونية، مع توقع أن تحسم محاكم الاستئناف أو المحكمة العليا مستقبل هذه السياسة، في معركة قانونية تعكس صراعًا مستمرًا بين اعتبارات الأمن والهجرة من جهة، ومتطلبات سيادة القانون وحقوق الإنسان من جهة أخرى.











