خوف في الظل.. كيف تعيش عائلات المهاجرين في مينيابوليس تحت شبح الترحيل؟
خوف في الظل.. كيف تعيش عائلات المهاجرين في مينيابوليس تحت شبح الترحيل؟
تعيش نينا وزوجها في شقة صغيرة بمدينة مينيابوليس الأمريكية، مثل آلاف المهاجرين الذين اختاروا الاختباء داخل منازلهم، خوفاً من أن تنتهي حياتهم العائلية في لحظة واحدة بسبب مداهمة مفاجئة لشرطة الهجرة الأمريكية، ولا يتعلق القلق الأكبر الذي يرافقهما يومياً بمصيرهما فقط، بل بمستقبل طفلتهما البالغة 4 سنوات التي قد تجد نفسها فجأة بلا أبوين، في حال تم توقيفهما وترحيلهما.
طالبة اللجوء القادمة من الإكوادور تعيش منذ شهرين تحت ضغط نفسي متواصل، في ظل نشر الرئيس دونالد ترامب آلاف العناصر الفيدراليين في مينيابوليس ضمن حملة مشددة على الهجرة غير النظامية، ورغم أملها بأن يتم تقليص أعدادهم أو نقلهم إلى مدن أخرى، فإنها تدرك أن الخطر سيبقى قائماً حتى لو تراجعت الحملة إعلامياً، بحسب وكالة فرانس برس.
خوف يومي من الفقد
تفكر نينا باستمرار في السيناريو الأسوأ، وهو أن يتم توقيفها أو زوجها من قبل عناصر الهجرة أثناء التوجه إلى العمل أو أثناء وجود طفلتهما في المدرسة، وبالنسبة لها هذا الاحتمال يعني عجزاً كاملاً عن حماية ابنتها أو حتى الوصول إليها؛ لأن الإجراءات قد تمنعها من مغادرة مركز الاحتجاز، تاركة الطفلة وحيدة في مواجهة مصير مجهول.
هذا الخوف دفعها إلى البحث عن حلول قانونية استباقية، أبرزها توقيع تفويض يمنح صديقة مقربة تحمل بطاقة الإقامة الدائمة حق الوصاية القانونية على الطفلة، تفادياً لوضعها تحت رعاية الخدمات الاجتماعية الأمريكية في حال اعتقال الوالدين.
العزلة خيار قسري
غير أن الواقع فرض على نينا عائقاً إضافياً، إذ لم تتمكن من مغادرة منزلها لتوقيع التفويض لدى كاتب العدل، فهي تعيش حالة عزلة شبه تامة داخل شقتها التي تختبئ فيها مع 6 أشخاص آخرين، ولا تغادر المكان سوى مرة واحدة أسبوعياً، وتفضل أن يكون ذلك ليلاً وبصورة خفية.
تتابع نينا بشكل دائم التنبيهات المتداولة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي التي تحذر من مداهمات تنفذها عناصر وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية في أحيائها، وهو ما حول الحياة اليومية إلى حالة ترقب دائم، حيث بات الخروج من المنزل مخاطرة غير محسوبة.
مبادرات فردية لسد الفراغ
أمام هذا الواقع القاسي قرر دانيال هيرنانديز، وهو رائد أعمال محلي يبلغ 41 عاماً، التحرك لمساعدة العائلات المهاجرة، ومنذ أسابيع بدأ بتجهيز وثائق تفويض أبوية مسبقة، موثقة لدى كاتب عدل، ويتنقل بين منازل المهاجرين في مينيابوليس لجمع التواقيع، خاصة من العائلات التي لا تملك أوراقاً قانونية.
هيرنانديز يؤكد أن كثيراً من المهاجرين لم يدركوا في البداية حجم الحملة التي وعد بها الرئيس دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، لكن مع بدء المداهمات، أصبح القلق واقعاً ملموساً، ومع تصاعد المخاوف تلقى اتصالات متزايدة من عائلات تسعى بشكل عاجل إلى تأمين مستقبل أطفالها في حال غياب الوالدين.
منذ نوفمبر تمكن هيرنانديز من تأمين تفويضات قانونية لأكثر من 1000 طفل، ولا يزال لديه نحو 500 قاصر على قائمة الانتظار، في وقت لا يتوقف فيه تدفق الرسائل من آباء وأمهات يبحثون عن أي ضمانة تحمي أبناءهم من مصير مجهول، كما تنشط عدة جمعيات محلية أخرى في مينيابوليس في تنفيذ مبادرات مشابهة، في محاولة لاحتواء الأزمة الإنسانية المتنامية.
مدينة تحت الصدمة
شهدت مينيابوليس خلال الفترة الأخيرة حوادث زادت من حدة التوتر، منها مقتل مواطنين أمريكيين معارضين لأساليب وكالة الهجرة والجمارك برصاص عناصرها، إضافة إلى صدمة واسعة في يناير عقب توقيف طفل إكوادوري يبلغ 5 سنوات خلال عملية أمنية.
مشاهد الطفل الذي ظهر محاطاً بعناصر فدرالية تركت أثراً عميقاً في نفوس العائلات المهاجرة، وعززت شعور الخوف لدى نينا التي رأت في تلك الحادثة إنذاراً مباشراً لما قد تواجهه طفلتها إذا ساءت الأمور.
قضية ليام وزيادة المخاوف
تؤكد إدارة ترامب أن والد الطفل الموقوف طلب احتجاز ابنه معه في ولاية تكساس، غير أن محامي العائلة أشار إلى أن العملاء الفيدراليين استخدموا الطفل لاستدراج والدته إلى خارج المنزل ثم أوقفوهما، ورفضوا ترك الطفل في المكان.
ورغم أن قاضياً أمر -السبت- بالإفراج عن الطفل ووالده وتمكنا من العودة إلى مينيسوتا يوم الأحد، فإن القضية عمقت الشعور بعدم الأمان داخل مجتمع المهاجرين، ورسخت القناعة بأن أي عائلة قد تكون الهدف التالي.
قصص ألم متكررة
ريتشارد توريس، طالب لجوء فنزويلي يبلغ 39 عاماً، يعيش تجربة مشابهة، فقد تم توقيف زوجته وطفلتهما البالغة سنتين، والتي تعاني من التوحد، خلال موعد روتيني لمتابعة ملف اللجوء، ونقلتا إلى تكساس لاحتجازهما هناك.
السبب الرسمي كان التخلف عن جلسة، لكن توريس يؤكد أن ذلك غير صحيح، ورغم أن قاضياً أقر لاحقاً بوجود خطأ وأمر بإطلاق سراحهما، فإن التجربة تركته محطماً نفسياً، وجعلته يشعر بأن أي تعامل مع السلطات قد ينتهي بكارثة غير متوقعة.
التفويض بوصفه ملاذاً أخيراً
بالنسبة لتوريس لم يعد تفويض السلطة الأبوية خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحة، فهو يرى في هذه الوثيقة الوسيلة الوحيدة المتبقية لضمان حد أدنى من الأمان لطفلته في حال تم توقيفه أو زوجته مرة أخرى.
وقد وقّع بالفعل تفويضاً يمنح قريبة لزوجته حق الوصاية على الطفلة إذا ساءت الأمور، ورغم أنها ليست مواطنة أمريكية، فإنه يعدها الشخص الوحيد الذي يثق به بشكل كامل لرعاية ابنته وحمايتها.
تأتي هذه التطورات في ظل تشديد غير مسبوق لسياسات الهجرة في الولايات المتحدة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث أعادت إدارته تفعيل حملات المداهمة الواسعة ووسعت صلاحيات وكالة الهجرة والجمارك، مع تركيز خاص على المدن التي تضم كثافة عالية من المهاجرين، وتعد مينيابوليس من أبرز هذه المدن؛ نظراً لوجود جاليات كبيرة من أمريكا اللاتينية، وفي هذا السياق تحذر منظمات حقوقية من تداعيات إنسانية خطيرة، خاصة على الأطفال الذين قد يجدون أنفسهم فجأة بلا رعاية أسرية، ما يدفع العائلات إلى البحث عن حلول قانونية بديلة مثل التفويضات الأبوية بوصفها خط دفاع أخيراً في مواجهة سياسات لا تميز في آثارها بين البالغين والأطفال.











