تحت شعار السلام يبدأ بالكرامة.. الفاتيكان يقود نداء عالمياً ضد الاتجار بالبشر
تحت شعار السلام يبدأ بالكرامة.. الفاتيكان يقود نداء عالمياً ضد الاتجار بالبشر
في وقت تتصاعد فيه الأزمات الإنسانية وتتزايد أشكال الاستغلال المرتبطة بالفقر والنزاعات والهجرة القسرية، يوجّه الفاتيكان نداء عالميا جديدا لمواجهة واحدة من أخطر الجرائم المنظمة في العالم، ممثلة في الاتجار بالبشر، وتستعد العاصمة الإيطالية روما لاحتضان سلسلة من المبادرات الرعوية والإنسانية خلال الفترة من 4 فبراير إلى 8 فبراير، في إطار الاحتفال باليوم العالمي الثاني عشر للصلاة والتوعية ضد الاتجار بالبشر، برعاية البابا لاوون الرابع عشر.
ووفقا لما نقلته وكالة أنباء أنسا الإيطالية الثلاثاء، تأتي هذه الفعاليات في سياق دولي متوتر، حيث يشارك الفاتيكان والمؤسسات الكنسية والإنسانية العالمية في إحياء هذا اليوم تحت شعار السلام يبدأ بالكرامة نداء عالمي لإنهاء الاتجار بالبشر، في محاولة لإعادة تسليط الضوء على الضحايا المنسيين ودفع المجتمع الدولي نحو تحرك عملي يتجاوز حدود التوعية النظرية.
شعار يحمل رسالة عالمية
يتكرر الاحتفال باليوم العالمي للصلاة والتوعية ضد الاتجار بالبشر في 8 فبراير من كل عام، تزامنا مع ذكرى القديسة جوزفين باخيتا، التي تمثل رمزا إنسانيا عميقا في مواجهة هذه الجريمة، وباخيتا هي راهبة سودانية استعبدت في سن 7 سنوات، وعانت من أشكال قاسية من العنف والاتجار قبل أن تتحرر وتكرس حياتها للدفاع عن الكرامة الإنسانية، لتصبح لاحقا أيقونة عالمية لمناهضة الاستغلال.
ويحمل شعار هذا العام دلالات تتجاوز البعد الديني، إذ يربط بين السلام العالمي واحترام كرامة الإنسان، في رسالة واضحة مفادها أن المجتمعات لا يمكن أن تنعم بالسلام الحقيقي في ظل استمرار الاتجار بالبشر واستباحة أجساد وأرواح الملايين.
فعاليات دولية وحشد كنسي واسع
تشمل مبادرات هذا العام سلسلة من اللقاءات التحضيرية والورش التوعوية والاجتماعات الدولية التي تجمع ممثلين عن الكنائس والمنظمات الإنسانية والناشطين من مختلف أنحاء العالم، وتختتم الفعاليات بمشاركة المحتفلين في صلاة التبشير الملائكي في ساحة القديس بطرس، بحضور البابا ليو الرابع عشر، في مشهد رمزي يعكس البعد الروحي والإنساني للقضية.
ويشرف على تنسيق هذا اليوم العالمي الشبكة الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر “تاليثا كوم”، التي تقودها الراهبات، وتعمل منذ سنوات على بناء شبكات دعم للضحايا والناجين، وتعزيز جهود الوقاية والمناصرة، وتحظى هذه المبادرة بدعم واسع من مؤسسات كنسية ومنظمات دولية، من بينها الاتحاد الدولي للرئيسات العامات، واتحاد الرؤساء العامين، ودائرة تعزيز التنمية البشرية المتكاملة في الفاتيكان، ومنظمة كاريتاس الدولية، وخدمة اللاجئين اليسوعيين، والاتحاد العالمي للمنظمات النسائية الكاثوليكية، إلى جانب عشرات الشبكات والحركات الكاثوليكية والإنسانية حول العالم.
أرقام صادمة لضحايا غير مرئيين
تكشف التقديرات الصادرة عن الأمم المتحدة عن حجم مأساوي لهذه الجريمة، إذ يقدر عدد ضحايا الاتجار بالبشر بنحو 27 مليون شخص حول العالم، وتشير البيانات إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا، إضافة إلى المهاجرين والأشخاص الذين أجبروا على الفرار من منازلهم بسبب الحروب أو الكوارث أو الاضطهاد.
وتتنوع أشكال الاتجار بالبشر بين الاستغلال الجنسي والعمل القسري والخدمة المنزلية والزواج القسري، فضلا عن أنماط حديثة من الاستغلال باتت تنتشر عبر الإنترنت والمنصات الرقمية، ما يزيد من صعوبة رصد الجريمة وملاحقة المتورطين فيها.
وتحذر الأمم المتحدة من أن هذه الجريمة غالبا ما تظل مخفية وغير مبلغ عنها، بسبب الخوف والوصم الاجتماعي وضعف الأطر القانونية في بعض الدول، إضافة إلى تورط شبكات إجرامية عابرة للحدود تستفيد من هشاشة الضحايا وانعدام الحماية.
الكرامة الإنسانية في قلب الرسالة
في هذا السياق، أكدت الأخت آبي أفيلينو، منسقة اليوم العالمي والشبكة الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر تاليثا كوم، أن الاتجار بالبشر لا يزال جرحا عالميا عميقا ينتهك الكرامة الإنسانية ويقوض أسس السلام داخل المجتمعات، وأشارت إلى أن هذه الجريمة تتفاقم بشكل خاص في عالم تمزقه الصراعات المسلحة والنزوح القسري وعدم الاستقرار الاقتصادي.
وأضافت أفيلينو أن اختيار موضوع السلام والكرامة الإنسانية لهذا العام يهدف إلى نقل الرسالة من مجرد التوعية إلى الفعل الملموس، داعية جميع أصحاب الإرادة الصالحة، من مؤسسات وأفراد وحكومات، إلى الاتحاد في عمل جماعي لإنهاء هذه الجريمة.
وأوضحت أن الالتزام الحقيقي يبدأ بالسير إلى جانب الضحايا والناجين، والاستماع إلى أصواتهم، والعمل على تغيير جذري يعالج الأسباب العميقة للاتجار بالبشر، مثل الفقر وعدم المساواة والنزاعات المسلحة والتمييز القائم على النوع الاجتماعي.
روما منصة للضمير العالمي
تحمل استضافة روما لهذه الفعاليات رمزية خاصة، إذ تتحول المدينة خلال هذه الأيام إلى منصة عالمية للضمير الإنساني، تجمع بين البعد الروحي والتحرك العملي، ويأمل المنظمون أن تسهم هذه اللقاءات في تعزيز التعاون الدولي، وتبادل الخبرات، ودفع الحكومات إلى تبني سياسات أكثر حزما لحماية الفئات الضعيفة وملاحقة شبكات الاتجار.
كما يركز البرنامج على دور الشباب والمجتمعات المحلية في الوقاية، وعلى أهمية التعليم والتوعية الرقمية لمواجهة أساليب الاستغلال الحديثة التي تستهدف الضحايا عبر الإنترنت.
أطلق اليوم العالمي للصلاة والتوعية ضد الاتجار بالبشر بمبادرة من البابا الراحل فرنسيس في عام 2015، استجابة لتنامي هذه الجريمة عالميا وارتباطها بتحديات الهجرة والفقر والنزاعات، ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم محطة سنوية تجمع الكنيسة الكاثوليكية وشركاءها من المنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية لتجديد الالتزام بحماية الكرامة الإنسانية.
ويأتي احتفال عام 2026 في سياق عالمي بالغ التعقيد، حيث تشير تقارير دولية إلى تصاعد مخاطر الاتجار بالبشر مع اتساع رقعة النزاعات المسلحة وتزايد أعداد اللاجئين والنازحين، وفي هذا المشهد، يسعى الفاتيكان من خلال مبادراته الرعوية والإنسانية إلى التأكيد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بوضع الإنسان وكرامته في صدارة السياسات والضمائر على حد سواء.










