نهاية عهد نيو ستارت.. مخاوف من أزمة نووية وسباق تسلح بين القوى الكبرى

نهاية عهد نيو ستارت.. مخاوف من أزمة نووية وسباق تسلح بين القوى الكبرى
أسلحة نووية

تسود مخاوف عالمية متزايدة مع انتهاء معاهدة نيو ستارت بين الولايات المتحدة وروسيا، آخر اتفاقية للحد من التسلح النووي، وسط تصاعد التوترات بين القوى الكبرى وتنامي المخاوف من سباق نووي جديد، ويعكس موقف الكرملين والأسف الذي أبداه للانتهاء الوشيك للمعاهدة عمق القلق الروسي من فقدان إطار رسمي للتحكم في الترسانة النووية، في حين دعت دول حلف شمال الأطلسي الأطراف المعنية إلى ضبط النفس، وفق ما نقلته وكالة رويترز.

تداعيات الانتهاء

ونقلت وكالة فرانس برس، الخميس، عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قوله للصحفيين إن موسكو تنظر إلى انتهاء مفاعيل المعاهدة من زاوية سلبية، معبراً عن أسفها لهذه الخطوة التي تنهي سنوات من ضبط التسلح النووي بين أكبر قوتين نوويتين في العالم.

في المقابل، أعلنت الصين عدم مشاركتها في المرحلة الراهنة بمحادثات نزع السلاح النووي، مؤكدة أن قدراتها النووية تختلف جذرياً عن الولايات المتحدة وروسيا، وأنها لن تشارك في مفاوضات رسمية حالياً، وفق تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان.

ودعا مسؤول في حلف شمال الأطلسي الأطراف المعنية إلى التحلي بالمسؤولية وضبط النفس، محذراً من أن أي خطوة متهورة قد تقود العالم نحو تصعيد نووي محتمل.

خطر عدم اليقين الاستراتيجي

انتهت مفاعيل معاهدة نيو ستارت الخميس بعد أن تجاهلت الولايات المتحدة اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتمديد القيود المفروضة على الرؤوس الحربية النووية لعام إضافي، وهذا يفتح الباب أمام حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، ويزيد المخاوف من احتمال اندلاع صراع نووي، وفق تحذيرات ناجين من القصف الذري على هيروشيما وناغازاكي عام 1945.

وقال تيرومي تاناكا، الرئيس المشارك لمنظمة نيهون هيدانكيو التي تضم ناجين من القصف النووي، إن الوضع الحالي قد يقود العالم إلى حرب نووية مستقبلية، وأشار إلى أن العالم يواجه خطراً غير مسبوق، محذراً من أن البشرية قد تقترب من الدمار الشامل.

تعكس النشرة الصادرة عن علماء الذرة “Bulletin of the Atomic Scientists” تحذيرات المجتمع العلمي، حيث أظهرت تحديث ساعة يوم القيامة في نهاية يناير قرب العالم إلى منتصف الليل الرمزي، عند 85 ثانية فقط، ما يعكس خطر كارثة نووية محتملة نتيجة تصاعد التوتر بين القوى النووية.

انتهاك المعاهدة وآثارها

تمثل المعاهدة التي وُقعت عام 2010 آخر إطار رسمي لضبط الترسانة النووية بين واشنطن وموسكو، حيث كانت تحدد لكل طرف 800 منصة إطلاق و1550 رأسا نووياً استراتيجياً، مع آليات للتحقق والمراقبة، ومع انتهاء المفاعيل، يدخل العالم مرحلة جديدة من عدم التنظيم للترسانات النووية، خصوصاً بعد تعليق عمليات التفتيش عام 2023 إثر الغزو الروسي لأوكرانيا.

في سبتمبر 2025، اقترح بوتين تمديد المعاهدة لعام إضافي، وهو ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقاً بأنه فكرة جيدة، لكن الولايات المتحدة لم تواصل الإجراءات، ما دفع روسيا للإعلان أنها لم تعد مُلزمة بالمعاهدة، وأن الأطراف لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة.

ردود الفعل الدولية

على الصعيد الدولي، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن انتهاء المعاهدة يمثل لحظة عصيبة على السلام والأمن الدوليين، داعياً الولايات المتحدة وروسيا إلى الاتفاق سريعاً على إطار جديد. وأكد غوتيريش أن خطر استخدام السلاح النووي اليوم هو الأعلى منذ عقود.

وفي السياق الأوروبي، طالبت فرنسا والقوى الأوروبية الكبرى بضرورة العمل على إنشاء نظام دولي جديد للحد من التسلح النووي، فيما دعت الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية روسيا والولايات المتحدة إلى احترام سقف المعاهدة أثناء المفاوضات المستقبلية.

تعهدات روسية وإشارات أمريكية

رغم انتهاء المعاهدة، أكد بوتين خلال محادثة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أن روسيا ستتصرف بحكمة ومسؤولية، وستظل منفتحة على البحث عن سبل للتفاوض لضمان الاستقرار الاستراتيجي، أما في واشنطن فتميل الإدارة الأمريكية إلى إشراك الصين في أي مناقشات مستقبلية، بحسب تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، في محاولة لتوسيع قاعدة التفاوض والحد من تفاقم الأزمة.

دعوات للتعقل والمسؤولية

حتى البابا لاوون الرابع عشر بابا الفاتيكان، دخل على خط التحذيرات، داعياً إلى منع سباق تسلح نووي جديد، بينما حذر ناجون وعلماء من أن أي تقصير في التعامل مع الأزمة قد يؤدي إلى تصاعد المخاطر على الصعيد الإنساني والاستراتيجي.

معاهدة نيو ستارت، الموقعة عام 2010، كانت تمثل آخر اتفاقية رسمية للتحكم في التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا منذ انتهاء الحرب الباردة، وكانت تحدد سقوفاً صارمة لعدد الرؤوس النووية والمنصات الصاروخية الثقيلة لكل طرف، مع آليات تحقق دقيقة لمراقبة الالتزام.

تهدف المعاهدة إلى الحد من سباق التسلح النووي، وتعزيز الاستقرار الاستراتيجي العالمي، وإعطاء مؤشرات واضحة على نية القوى الكبرى في السيطرة على التسلح النووي، ويمثل انتهاء مفاعيلها تحدياً كبيراً للأمن الدولي، خصوصاً في ظل توترات متصاعدة بين واشنطن وموسكو، وتصاعد المخاوف بشأن برامج إيران النووية، وعدم مشاركة الصين في المفاوضات في الوقت الحالي.

الخبراء يحذرون من أن هذا الانتهاء قد يؤدي إلى فقدان آليات الرقابة والتفتيش التقليدية، ما قد يزيد من احتمال حدوث سوء تقدير أو تصعيد عسكري، ويضع العالم أمام خطر حقيقي من سباق تسلح نووي جديد، وسط ضبابية دولية حادة حول الخطوات المستقبلية لاحتواء التوترات الاستراتيجية.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية