بين التفويض الدولي والانتهاكات الموثقة.. تحديات حقوقية تواجه قوات حفظ السلام
بين التفويض الدولي والانتهاكات الموثقة.. تحديات حقوقية تواجه قوات حفظ السلام
في عالم يموج بالصراعات والحروب، تتجلى أهمية قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة كآخر حصنٍ يحول دون انهيار المجتمعات التي تعيش على شفير الفوضى هذه القوات، المعروفة باسم "الخوذات الزرقاء"، تمثل بارقة أمل لملايين البشر، إذ تعمل على إرساء الأمن والاستقرار، وضمان احترام القانون الدولي، ومنع تكرار المآسي الإنسانية التي لطالما شهدها التاريخ الحديث.
منذ عام 1948، عندما تم إطلاق أول بعثة لحفظ السلام، أخذت هذه العمليات تتطور بشكلٍ كبير من حيث العدد والنطاق والمهام.. وتشير الإحصائيات الصادرة عن الأمم المتحدة لعام 2024 إلى مشاركة أكثر من سبعة وثمانين ألف رجل وامرأة من أكثر من 125 دولة في عمليات حفظ السلام المنتشرة في مناطق النزاع حول العالم.
وقد بلغ إجمالي عدد الأفراد الذين خدموا تحت راية الأمم المتحدة أكثر من مليوني جندي، ما يجعل هذه الجهود واحدة من أكبر التحركات التعاونية الدولية لضمان الأمن العالمي.
ومع ذلك، فإن أفراد هذه القوات ليسوا بمنأى عن المخاطر، بل إنهم غالبًا ما يكونون أهدافًا للهجمات المباشرة في بيئات غير مستقرة.
وفي 11 فبراير الحالي، لقي جندي تونسي من بعثة الأمم المتحدة في جمهورية إفريقيا الوسطى حتفه على يد مسلح مجهول الهوية قرب قرية زوباسيندا في محافظة بامينغي-بانغوران.
وأثارت الحادثة استنكارًا دوليًا، إذ أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، هذا الاعتداء، معربًا عن تعازيه لعائلة الجندي وللحكومة والشعب التونسي، ومؤكدًا أن مثل هذه الهجمات قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب بموجب القانون الدولي هذه المأساة ليست حالة استثنائية، فمنذ تأسيس هذه القوات فقد أكثر من 4200 جندي حياتهم أثناء أداء مهامهم، فيما شهد العام الماضي وحده مقتل مئة وخمسة وثلاثين جنديًا جراء هجمات متعمدة أو انفجارات ألغام أو أعمال عدائية أخرى.
تعتمد الأمم المتحدة على مساهمات الدول الأعضاء لتزويدها بالجنود والموارد اللازمة لتنفيذ عمليات حفظ السلام، تعد مصر من بين أكبر المساهمين، إذ تحتل المرتبة السادسة عالميًا بأكثر من ألفين وثمانمئة فرد مشاركين في بعثات مختلفة تشمل أبيي وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وجنوب السودان والصحراء الغربية المغرب أيضًا يضطلع بدورٍ بارز، إذ يسهم بأكثر من ألف وسبعمئة جندي، ما يجعله يحتل المرتبة الحادية عشرة عالميًا، إلى جانب ذلك، تشارك دول مثل بنغلاديش والهند وباكستان بأعداد كبيرة، حيث ترسل كل منها آلاف الجنود لدعم البعثات الدولية.
تنتشر قوات حفظ السلام في مناطق متعددة حول العالم، وفقًا لاحتياجات كل منطقة وظروفها الأمنية، ففي لبنان، تواصل قوات اليونيفيل عملها منذ عام 1978، حيث تضم الآن ما يقارب 10 آلاف جندي يعملون على مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم الحكومة اللبنانية في تعزيز سلطتها، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتولى بعثة مونوسكو مسؤولية حماية المدنيين ودعم اتفاقيات السلام، أما في جمهورية إفريقيا الوسطى فتواصل بعثة مينوسكا عملها لضمان حماية المدنيين وتحقيق الاستقرار، بينما تسهم يوناميد في دارفور بالسودان في الحد من النزاع رغم العقبات الأمنية.
ولا يقتصر الدور الإنساني لهذه القوات فقط على الحماية العسكرية، بل يمتد إلى دعم جهود المصالحة الوطنية ومراقبة الانتخابات وتعزيز المؤسسات المحلية، تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن انتشار قوات حفظ السلام أسهم في خفض معدلات العنف ضد المدنيين بنسبة تصل إلى خمسين بالمئة في بعض المناطق، كما ساعد في إيصال المساعدات الإنسانية لملايين المحتاجين.. فضلًا عن ذلك، تسهم هذه القوات في تدريب الأجهزة الأمنية المحلية، وتوفير الدعم اللوجستي لإجراء الانتخابات، وضمان استقرار العمليات السياسية في الدول الخارجة من النزاعات.
التمويل المحدود للقوات
ورغم الإنجازات العديدة، تواجه قوات حفظ السلام تحديات هائلة تعوق فعاليتها في بعض الأحيان، فالتمويل المحدود يشكل إحدى أبرز العقبات، إذ تحتاج هذه العمليات إلى ميزانية سنوية تقدر بنحو ستة مليارات ونصف المليار دولار، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بإجمالي الإنفاق العسكري العالمي، وتعاني بعض البعثات من نقص في المعدات الحديثة، ما يجعل أداءها أقل كفاءة في المناطق عالية الخطورة.. كما أن الاتهامات التي تطول بعض القوات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين تؤثر أيضًا على سمعة الأمم المتحدة.
ومع تصاعد النزاعات في مختلف أنحاء العالم، يزداد الطلب على قوات حفظ السلام، وهو ما يفرض على الأمم المتحدة مراجعة استراتيجياتها لضمان استدامة هذه الجهود، يرى المراقبون أن مستقبل عمليات حفظ السلام يجب أن يشمل تعزيز الدبلوماسية الوقائية، وزيادة الاستثمارات في بناء القدرات المحلية للدول المتضررة، وضمان محاسبة أي أفراد يرتكبون تجاوزات خلال تنفيذ مهامهم
التحديات الحقوقية للقوات
وقالت خبيرة حقوق الإنسان، أميرة شتا، إن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تقف عند تقاطع دقيق بين الواجب الإنساني والتحديات الحقوقية المعقدة، حيث يُنظر إليها كأداة رئيسية لحماية حقوق الإنسان في مناطق النزاع، لكنها في الوقت نفسه تواجه انتقادات متزايدة بسبب الإخفاقات والانتهاكات التي رافقت بعض مهامها، فوفقًا للمادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، يُناط بالمنظمة تحقيق السلم والأمن الدوليين من خلال التدخل في النزاعات، وحماية المدنيين، وتعزيز احترام الحقوق الأساسية، وهو الدور الذي تحاول قوات حفظ السلام القيام به رغم العقبات الجسيمة التي تواجهها.
وأضافت شتا، في تصريحات لـ"جسور بوست"، أن وجود قوات حفظ السلام في بؤر التوتر يعد ترجمة لمبدأ الحق في الحياة والأمن الشخصي، وهو من الركائز الأساسية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. في كثير من المناطق التي تنتشر فيها هذه القوات، تشهد الشعوب أوضاعًا إنسانية كارثية جراء النزاعات المسلحة والانتهاكات المستمرة، مما يجعل تدخل هذه القوات ضرورة لا يمكن إنكارها لضمان الحد الأدنى من الحماية للسكان المحليين، ومع ذلك، فإن دورها في منع الانتهاكات لا يكون دائمًا فاعلًا، إذ إن بعض البعثات أخفقت في حماية المدنيين من الفظائع، كما حدث في مجازر سربرنيتشا عام 1995، حيث فشلت قوات الأمم المتحدة في منع واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث.
وتابعت أن جنود حفظ السلام أنفسهم مطالبون بالامتثال الصارم للقانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف المدنيين وتفرض التزامات مشددة على القوات العاملة في النزاعات المسلحة.. لكن بعض التقارير الحقوقية تكشف عن حالات تورط فيها أفراد من هذه القوات في تجاوزات خطيرة، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية واستغلال السكان المحليين، ما يثير تساؤلات جوهرية حول آليات الرقابة والمحاسبة داخل هذه البعثات، على الرغم من الجهود المبذولة لمكافحة هذه الانتهاكات، بما في ذلك تبني الأمم المتحدة سياسة عدم التسامح مطلقًا مع الاعتداءات الجنسية، فإن الواقع يشير إلى أن تنفيذ هذه السياسات يواجه عقبات قانونية ولوجستية تعرقل تحقيق العدالة لضحايا هذه الانتهاكات.
وقالت إن الحق في المساءلة والعدالة هو مبدأ أساسي آخر يتم اختباره في عمل قوات حفظ السلام، وفقًا للقانون الدولي، فإن أي جريمة تُرتكب ضد المدنيين من قبل عناصر حفظ السلام يجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة، ولكن المشكلة تكمن في الحصانة القانونية التي يتمتع بها هؤلاء الجنود، إذ إن الملاحقة القانونية غالبًا ما تعتمد على الدول المساهمة بالقوات وليس على الأمم المتحدة نفسها، وهذا يؤدي في أحيان كثيرة إلى إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، خاصة في ظل عدم رغبة بعض الحكومات في محاكمة جنودها أو تعريضهم لملاحقات قضائية دولية.
وأتمت، أن قوات حفظ السلام لا تزال أداة ضرورية لحماية حقوق الإنسان في العالم، لكنها تحتاج إلى مراجعة جذرية لضمان توافق ممارساتها مع القيم والمبادئ التي أُنشئت من أجلها، وفي نهاية المطاف، لا يمكن تحقيق سلام مستدام إلا إذا كانت هذه القوات نفسها ملتزمة التزامًا صارمًا بحقوق الإنسان، ليس فقط في ممارساتها اليومية، ولكن أيضًا في بنيتها وآليات عملها على المستوى الدولي.
قوات حفظ السلام والمصالح الدولية
وقال الخبير الاستراتيجي، فؤاد علام، إن دور قوات حفظ السلام في العالم لا يمكن تحليله بمعزل عن المشهد الجيوسياسي الأوسع، حيث أصبحت هذه القوات جزءًا من معادلة معقدة توازن بين المصالح الدولية، والاستقرار الإقليمي، والاعتبارات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
فمنذ تأسيسها، كان الهدف الأساسي لهذه القوات هو تهدئة النزاعات، وحماية المدنيين، ودعم عمليات السلام، إلا أن أداءها على الأرض خضع لاعتبارات سياسية، وقيود لوجستية، وأجندات متباينة للدول الفاعلة في المنظومة الدولية، ما جعلها أداة مزدوجة الاستخدام، قادرة على تحقيق السلام، لكنها في بعض الأحيان عاجزة عن منعه أو فرضه.
وتابع علام، في تصريحات لـ"جسور بوست": تتمثل إحدى الإشكاليات الرئيسية في هذه العمليات في أن قوات حفظ السلام غالبًا ما يتم نشرها في مناطق نزاع غير محسومة، حيث تكون الأطراف المتصارعة غير مستعدة بعد لتسوية سياسية حقيقية.. وبدلًا من أن تكون هذه القوات أداة لإنهاء الصراع، تصبح في بعض الأحيان مجرد عنصر لتجميد الوضع القائم دون حل جذري، مما يخلق حالة من الجمود الاستراتيجي، هذا ما رأيناه في بعض النزاعات الإفريقية، حيث تمركزت قوات حفظ السلام لسنوات طويلة دون إحراز تقدم ملموس، لأن البيئة السياسية لم تكن ناضجة لسلام مستدام، أو لأن القوى الفاعلة لم تكن لديها مصلحة في إنهاء الصراع نهائيًا.
وقال إن محدودية التفويض الممنوح لقوات حفظ السلام يحد من فاعليتها، حيث إنها غالبًا ما تكون مقيدة بقواعد اشتباك صارمة تمنعها من استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس أو لحماية المدنيين. هذه القيود جعلت بعض البعثات عاجزة عن التصدي لجماعات مسلحة تهدد السكان، كما حدث في رواندا عام 1994 وسريبرينيتشا عام 1995، حيث وقفت القوات الأممية عاجزة أمام جرائم إبادة جماعية بسبب غياب تفويض قوي يسمح لها بالتدخل العسكري الحاسم.
وأشار إلى أن التكلفة الاقتصادية الهائلة لعمليات حفظ السلام، والتي تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا ورغم هذه الاستثمارات، فإن العائد السياسي والاستراتيجي لهذه العمليات لا يكون دائمًا متناسبًا مع حجم الإنفاق.. في كثير من الحالات، يتم تقليص ميزانيات البعثات أو إنهاؤها قبل تحقيق الاستقرار الكامل، مما يؤدي إلى انتكاسات أمنية ويعيد النزاعات إلى نقطة البداية، ولذلك، فإن نجاح عمليات حفظ السلام لا يقاس فقط بقدرتها على نشر الجنود، بل بمدى قدرتها على بناء مؤسسات سياسية وأمنية محلية قادرة على إدارة الأمن بعد مغادرة القوات الأممية.
وأتم: لا يمكن تجاهل الأهمية الجوهرية لقوات حفظ السلام، لكنها تحتاج إلى إصلاحات جذرية تجعلها أكثر قدرة على تحقيق أهدافها، وأكثر استقلالية عن التجاذبات السياسية الدولية المطلوب هو نهج استراتيجي جديد يضمن أن تكون هذه القوات جزءًا من حلول مستدامة، لا مجرد أداة مؤقتة لإدارة النزاعات دون حلها، وإلا فإنها ستظل عالقة في حلقة مفرغة من التدخلات غير الحاسمة التي لا تحقق سلامًا دائمًا ولا تمنع نشوب صراعات جديدة.