عندما يُسكت ترامب «صوت أمريكا»

عندما يُسكت ترامب «صوت أمريكا»
طوني فرنسيس

لا يقاس قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإقفال قناة "الحرة" ومحطة إذاعة "صوت أمريكا" بمقياس ما يراه مصلحة أمريكية عليا، بقدر ما يُنسب إلى موقف ترامب من الإعلام نفسه ومدى استجابة هذا الإعلام لكل ما يقوله أو يفكر فيه أو يبشر به، وقرار الإقفال بهذا المعنى تتمة طبيعية لسلسلة قرارات اتخذها -ويتخذها- الرئيس الأمريكي، وتدور جميعها في فلك دعم توجهاته، ومنها اختياره معاونيه الذين يجتهدون في الدفاع عنه وعن مقولاته، انطلاقاً من ثابتة ألا مجال للنقاش في ما يراه ترامب مصلحة أمريكية عليا.

وقد يكون مفهوماً أن يأتي ترامب بمن يريد لمساعدته في إدارة الولايات المتحدة بعد فوزه الساحق بالانتخابات الرئاسية وهيمنة حزبه الجمهوري على مجلسَي الشيوخ والكونغرس، فيعين الوزراء والإداريين ممن يرتاح إليهم، حتى وإن كان في مؤسسات الإعلام الحكومية، لكن المفاجأة أنه قرر إلغاء أهم مؤسستين رسميتين للإعلام الأمريكي الموجه إلى الخارج ببساطة كلية، وكأنه يخوض إحدى معاركه مع "تويتر" سابقاً، أو ضد صحيفة "واشنطن بوست" التي اتهمها بـ"فقدان الصدقية"؛ لأن أحد صحافييها سأله عن رأيه في استمرار القصف الروسي على أوكرانيا، على الرغم من اتصالاته مع الرئيس فلاديمير بوتين.

طول حياته السياسية اصطدم ترامب بقطاع واسع من الإعلام الأمريكي الخاص ومؤسساته الراسخة، ولم يقصر إعلاميون في خوض معارك ضده، فيما وقف آخرون إلى جانبه وخاضوا معاركه السياسية والقضائية، لكن الإعلام الذي تموله الحكومة وتعين إدارته لم يتخذ موقفاً منحازاً أو حتى نقدياً، بل استمر في نقل وقائع المشهد السياسي الأمريكي، فيما كان اهتمامه الأبرز الوصول إلى جمهوره الأصلي في أنحاء العالم، محكوماً بما يراه مصلحة أمريكية عليا على المستوى العالمي لا تتغير مع تغيير الأشخاص في البيت الأبيض، ولا يغير ذلك النقاش من مستوى نجاح أو فشل هذا "الإعلام الرسمي" في تحقيق خرق معتبر قياساً إلى ما حققه الروس من خلال مؤسساتهم الموجهة إلى الخارج.

لم تكن الولايات المتحدة سباقة في اللجوء إلى الإعلام الإذاعي والتلفزيوني الخارجي كدولة، فقد سبقتها بريطانيا العظمى بكثير عندما أطلقت هيئة الإذاعة البريطانية عام 1923 وطورتها لتتحدث بلغات العالم لاحقاً، بما فيها اللغة العربية منذ الثالث من يناير (كانون الثاني) 1938، وأسس الاتحاد السوفياتي "راديو موسكو" عام 1929 وكان يبث لدى إقفاله مع انهيار الاتحاد عام 1993 بأكثر من 70 لغة حول العالم، ثم ورثه راديو "سبوتنيك" في دور مشابه لمصلحة روسيا الاتحادية قبل أن تحتل قناة "روسيا اليوم" مكانتها البارزة، وأطلقت دول كثيرة أخرى محطاتها ووجهت بثها إلى حيث لها مصالح عدة، وأنشأت أقساماً مرئية ومسموعة بمختلف اللغات ومنها العربية.

تأخرت الولايات المتحدة في إطلاق بثها العالمي الخاص إلى الأول من فبراير (شباط) 1942 عندما سُمع أول بث لـ"صوت أمريكا"، وذلك بعد شهرين من الهجوم الياباني على "بيرل هاربر" الذي كشف حاجة واشنطن إلى إيصال صوتها في خضم النزاع العالمي، والكلمات الأولى من خلال الأثير قالها الصحافي وليام هارلان بالألمانية "ننقل إليكم أصواتاً من أمريكا، يومياً سنتحدث إليكم عن أمريكا والحرب، قد تكون الأخبار جيدة لنا وقد تكون سيئة، لكننا سنخبركم بالحقيقة".

واستمرت الإذاعة 83 عاماً صوتاً للرؤية الأمريكية للعالم، ومثلما كانت إذاعة موسكو سلاحاً بيد الاتحاد السوفياتي دفاعاً عن الشيوعية ومعارك "التحرر الوطني"، فقد صارت "صوت أمريكا" بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سلاحاً بيد الإدارة الأمريكية أياً كانت لخوض معارك الحرية والديمقراطية، ومنها انبثقت إذاعة "أوروبا الحرة" و "راديو الحرية" وإذاعة "آسيا الحرة" وكثير من الوسائط التابعة العاملة بنحو 100 لغة حول العالم.

لم يؤدِ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى تخفيف النزاعات الدولية، ومرة أخرى لجأت الدول إلى تعزيز أدواتها الإعلامية التي صارت جزءاً من القوة الناعمة لتلك الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، فدخلت الفضائيات بقوة على المشهد الإعلامي الدولي منذ قيام محطة CNN بنقل مشاهد حروب الخليج على الهواء مباشرة، وفي العام التالي بعد غزوها العراق أسست الولايات المتحدة شبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN التي أطلقت قناة "الحرة" التي قرر ترامب الآن إسكاتها مع شقيقتها "صوت أمريكا" من دون سبب سوى اتهامه الشبكتين بالتحيز للديمقراطيين.

إلا أن هذا الاتهام لا يكفي لتبرير خطوة بهذا الحجم في وقت تخوض الولايات المتحدة -بقيادة ترامب شخصياً- مواجهات ومفاوضات دولية حاسمة يؤدي فيها الإعلام أدواراً كبرى، فروسيا مثلاً طورت شبكة RT وأطلقتها منذ مايو (أيار) 2007 برعاية خاصة من الرئيس فلاديمير بوتين، وعززت إلى جانبها وسائل إعلام أخرى موجهة إلى الخارج، وفي تقرير أخير عبّر الاتحاد الأوروبي عن قلقه إزاء تنامي النفوذ الإعلامي الروسي في العالم، مشيراً إلى افتتاح مقر جديد لـ"روسيا اليوم" في صربيا، وعدَّ راديو "سبوتنيك" أداةً للتلاعب بالمعلومات العالمية، وأن "نوفوستي تلعب دوراً مركزياً في تشكيل وتعزيز خطاب الدولة".

ويخلص التقرير الأوروبي إلى أن "روسيا تواصل استغلال نقاط الضعف في المشهد المعلوماتي العالمي، ما يجعل تكتيكاتها المتمثلة في التدخل الأجنبي مصدر قلق وخطراً، فلقد تطور الإعلام الدولي الأمريكي خلال المواجهة مع الاتحاد السوفياتي ثم مع روسيا، ومنذ أعوام يواجه هذا الإعلام خصماً دعائياً كبيراً وهو إيران التي تمول عشرات الفضائيات وتوحد شعاراتها تحت عنوان العداء لأمريكا، كما يواجه إعلاماً صينياً هادئاً، لكن فعالاً في منافسة الخطاب الأمريكي عبر أنحاء الكرة الأرضية، وهؤلاء جميعاً لم يخفوا اغتباطهم بقرار ترامب إسكات "صوت أمريكا" في العالم، إذ عدَّ رئيس تحرير "غلوبال تايمز" الصينية السابق شي جين أن القرار عظيم.

وأبدى الإعلام الإيراني سروره بإغلاق "إدارة ترامب وسيلة الإعلام المعادية لإيران"، أما "روسيا اليوم" فقد "تحركت لمطالبة ترامب بإلغاء العقوبات التي فرضها سلفه جو بايدن على القناة في أمريكا، فلماذا اتخذ ترامب قراراته هذه؟ هل لأن "وكالة الإعلام الأمريكية فاسدة وخطرة على الأمن القومي الأمريكي وغير قابلة للإنقاذ" كما قالت كاري ليك التي عينها الرئيس مستشارة أولى لتلك الوكالة المشرفة على عمل "صوت أمريكا" و"الحرة"؟ أم لأن "صوت أمريكا" محطة حزبية كما تتهمها المستشارة المذكورة؟

الاتهامان لا يسوغان الإلغاء، كما أن المشهد الإعلامي العالمي لا يتحمل قراراً كهذا من وجهة نظر المصلحة الأمريكية الخاصة، فعالية وكلفة، خصوصاً أن كلفة تشغيل "الحرة" مثلاً لا تساوي ثمن مروحيتي "أباتشي" على قول أحد مسؤوليها، فماذا يريد ترامب؟

إن السؤال سيبقى مطروحاً والقرار سيتفاعل في الأوساط الأمريكية مثله مثل قرارات إدارية أخرى، ومن حق كثيرين أن يتكهنوا بمدى اعتماد ترامب على إعلام بديل يقترحه مستشاره إيلون ماسك ويعده كافياً.


 

نقلاً عن صحيفة إندبندنت عربية


 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية