بين الحجب والمراقبة.. كيف تختنق حرية التعبير على الإنترنت في روسيا؟

بين الحجب والمراقبة.. كيف تختنق حرية التعبير على الإنترنت في روسيا؟
الرقابة الحكومية على شبكة الإنترنت

خلال عام 2025، بدت شبكة الإنترنت في روسيا وكأنها تحوّلت تدريجيًا من فضاء مفتوح إلى حقل ألغام رقابي صارم، يخنق الأصوات المستقلة ويُضيّق على كل محاولة للتواصل الحرّ، ففي تقرير جديد صادر عن هيومن رايتس ووتش بعنوان “مُعطّلون، مُقيّدون، ومُحجَبون”، وثّقت المنظمة تصاعدًا غير مسبوق في رقابة الدولة على الإنترنت منذ الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. 

هذه الرقابة لا تقتصر على حجب المواقع، بل تمتدّ لتشمل مراقبة واسعة النطاق، وانقطاعات متعمدة للإنترنت، وضغوطًا ممنهجة على شركات التكنولوجيا لإخضاع المحتوى لرؤية الدولة.

بحسب التقرير، فإن هذه السياسات لا تمثل مجرد تجاوزات عرضية، بل هي جزء من استراتيجية واسعة لتحويل الإنترنت في روسيا إلى فضاء مغلق، يهيمن عليه المحتوى الموالي للسلطات، في حين يُحجب أو يُشوّه كل محتوى مستقلّ أو نقدي، ما يقوض حرية التعبير.

رقابة وقوانين صُممت للعزل

منذ سنوات، تعمل الحكومة الروسية على تطوير منظومة قانونية وتقنية دقيقة لتأطير الإنترنت ضمن حدود رؤيتها، من أبرز هذه الأدوات قانون الإنترنت السيادي، الذي أُقر عام 2019، ويتيح للسلطات السيطرة المباشرة على البنية التحتية للإنترنت، بما في ذلك توجيه حركة البيانات داخليًا وإنشاء نظام أسماء نطاقات روسي مستقل.

ويُلزم هذا القانون مزودي خدمة الإنترنت بتركيب معدات تُعرف بـ «الوسائل التكنولوجية لمواجهة التهديدات» (TSPU)، تتيح الرقابة الفورية وحجب المواقع المستهدفة، وتستخدم هذه المعدات فعليًا لتعطيل المحتوى وإجراء عمليات حجب واسعة، حتى دون أوامر قضائية شفافة.

وأجازت القوانين للسلطات تنفيذ تدريبات لعزل الإنترنت بشكل كامل داخل البلاد. وبينما تزعم الحكومة أن هذه التدريبات لا تؤثر على المستخدمين العاديين، وثّق المستخدمون انقطاعات ملاحظة شملت تعطل الخدمات البنكية والتطبيقات الحيوية.

أرقام تحكي حجم الأزمة

تقدّر المنظمات الرقابية أن السلطات الروسية حجبت آلاف المواقع الإلكترونية، بما في ذلك منصات إخبارية مستقلة، وصفحات معارضين سياسيين، ومواقع منظمات حقوقية، ومع حجب منصات كبرى مثل "فيسبوك" و"إنستغرام"، بات أكثر من 50% من المستخدمين يعتمدون على أدوات VPN للوصول إلى المحتوى المحجوب.

ومع ذلك، تُظهر استطلاعات للرأي أن نصف الروس تقريبًا لا يعرفون استخدام أدوات التحايل على الرقابة أو لا يملكون الثقة الكافية بها، ما يعمّق عزلة المعلومات ويجعل المحتوى البديل محدود الانتشار.

في المقابل، تشير بيانات صادرة عن "ياندكس"، أكبر محرك بحث روسي، إلى أن إعلانًا حكوميًا واحدًا يحثّ على التجنيد في القوات المسلحة جرى عرضه أكثر من ملياري مرة في عامين فقط. هذا يعكس كيف تتحوّل المنصات المحلية إلى أدوات دعاية، في ظل انسحاب أو تقييد المنصات الأجنبية.

ضغوط على شركات التكنولوجيا

لم يقتصر الضغط على الداخل الروسي، فقد وجّهت السلطات الروسية تهديدات مباشرة لشركات أجنبية كبرى مثل آبل وجوجل وموزيلا، لإجبارها على إزالة محتويات تعتبرها الحكومة تخريبية، بما في ذلك تطبيقات VPN، وواجهت هذه الشركات غرامات وحملات تشهير، فيما انسحبت بعض الخدمات كليًا من السوق الروسي تحت وطأة العقوبات.

وردّت شركة آبل بأنها مضطرة للامتثال للأوامر القانونية لمواصلة تقديم خدمات الاتصالات، في حين أوضحت أمازون ويب سيرفيسز أنها أوقفت تسجيل مستخدمين جدد في روسيا منذ 2022.

وفي المقابل، شددت موزيلا على التزامها بدعم الإنترنت المفتوح ورفض الرقابة، أما "كلاودفلير"، وهي من أكبر مزودي خدمات توصيل المحتوى، فأكدت أنها لم تحجب مواقع بناءً على طلب الحكومة الروسية.

من الرقابة إلى التحكم الرقمي

ليست هذه المرة الأولى التي تمارس فيها السلطات الروسية رقابة على المعلومات، فخلال العقدين الماضيين، شهد الإعلام التقليدي في روسيا تضييقًا واسعًا وتحولًا لقنوات التلفزيون الكبرى إلى أبواق رسمية، لكن الجديد في الرقابة الرقمية أنها أكثر شمولًا، وأقل وضوحًا، وتُنفَّذ بأدوات تقنية يصعب على المستخدم العادي فهمها أو مقاومتها.

منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، أصبحت هذه الرقابة جزءًا من استراتيجية حرب إعلامية شاملة، لا تهدف فقط إلى إخفاء المعلومات المستقلة، بل لإنتاج روايات بديلة تحظى بالانتشار الواسع داخل روسيا.

وراء الأرقام والسياسات، هناك ملايين المستخدمين الذين يفقدون تدريجيًا الثقة في الإنترنت باعتباره مساحة حرة، إضافة إلى ذلك، يواجه المستخدمون تهديدات حقيقية إذ يمكن تغريمهم أو حتى سجنهم بتهمة نشر معلومات كاذبة أو مشاركة محتوى محجوب، هذه البيئة تصنع رقابة ذاتية واسعة النطاق، حيث يتجنب الكثيرون كتابة أو مشاركة أي محتوى حساس.

توصي المنظمات الحقوقية بإنهاء جميع أشكال الرقابة على المحتوى المحمي بموجب القانون الدولي، والتوقف عن الضغط على شركات التكنولوجيا، وضمان أن يكون أي تقييد للإنترنت قانونيًا وضروريًا ومتناسبًا، كما تحثّ المجتمع الدولي وشركات التكنولوجيا على دعم أدوات التحايل الرقابي وتأمين خصوصية المستخدمين.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية