أزمة القنال والهجرة تعمق الخلاف بين باريس ولندن وتهديدات باعتقال نشطاء بريطانيين
أزمة القنال والهجرة تعمق الخلاف بين باريس ولندن وتهديدات باعتقال نشطاء بريطانيين
تشهد العلاقات بين فرنسا وبريطانيا توترا متزايدا على خلفية أزمة الهجرة غير الشرعية عبر القنال الإنجليزي، في وقت تتعقد فيه الجهود المشتركة لوقف تدفق المهاجرين نحو السواحل البريطانية، وتمثل التطور الأحدث في هذه الأزمة في إعلان السلطات الفرنسية نيتها ملاحقة واعتقال نشطاء بريطانيين يتدخلون لمنع المهاجرين من الإبحار، وهو ما فتح فصلا جديدا من الخلاف بين البلدين حول المسؤوليات والوسائل المعتمدة لمعالجة هذا الملف الشائك.
مصدر بريطاني يكشف خلفيات القرار
وبحسب ما نقلته صحيفة "التليغراف" البريطانية السبت عن مصادر مطلعة، فإن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز يدفع باتجاه اعتقال نشطاء بريطانيين يشاركون في أنشطة مخالفة على السواحل الفرنسية، مع دراسة توجيه اتهامات محتملة لهم تتعلق بعرقلة عمل السلطات واستخدام العنف المشدد، وتشير الصحيفة إلى أن هذه الخطوة تعكس حالة استياء متنامية داخل الحكومة الفرنسية من تحركات هذه المجموعات.
ملاحقة وتحديد هوية النشطاء
وأكد مصدر مقرب من وزير الداخلية الفرنسي لصحيفة فرنسية محلية أن السلطات طالبت بتحديد هوية أفراد هذه المجموعات واعتقالهم عند قيامهم بأي نشاط ميداني، إضافة إلى النظر في إجراءات قانونية قد تمنعهم من العودة إلى الأراضي الفرنسية، وأوضح المصدر أن المسؤولين الفرنسيين يرون أن عودة هؤلاء النشطاء المتكررة إلى السواحل تثير تساؤلات حول فعالية الإجراءات المتخذة حتى الآن.
أنشطة مثيرة للجدل على الشواطئ
وجاءت التهديدات الفرنسية بعد سلسلة من التحركات نفذتها حركة بريطانية تُعرف باسم رايز ذا كولورز، والتي نشرت مقاطع مصورة تظهر أفرادها وهم ينفذون ما يصفونه بمراقبة مدنية للحدود، وتظهر هذه المقاطع قيام النشطاء بالنزول إلى المياه والصراخ في وجه المهاجرين، إضافة إلى تمزيق قوارب مطاطية صغيرة وتخريب محركاتها قبل انطلاقها نحو بريطانيا.
وفي 5 ديسمبر الماضي، استدعت الشرطة الفرنسية بعد تدخل إحدى مجموعات هذه الحركة في محاولة لعرقلة عمليات عبور، ما أثار مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهات خطرة على الشواطئ، وتخشى السلطات أن تؤدي مثل هذه التصرفات إلى تعريض حياة المهاجرين للخطر، خاصة في ظل الظروف الجوية المتقلبة.
تبريرات النشطاء ورد قضائي
ويبرر النشطاء البريطانيون تحركاتهم بأنهم اضطروا إلى التدخل نتيجة ما يعدونه فشلا من الحكومتين الفرنسية والبريطانية في اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف القوارب، غير أن مكتب النيابة العامة في بولوني أعلن أنه يدرس توجيه اتهامات جنائية، مؤكدا أن وجود ممثلين عن تيارات يمينية بريطانية على الساحل أُبلغت به السلطات المحلية بالفعل.
من جهتها، أكدت محافظة منطقة كاليه أنها تتخذ إجراءات متابعة وتنسيق على مستويات محلية وإقليمية ووطنية، لكنها امتنعت عن كشف تفاصيل هذه الإجراءات لأسباب تتعلق بالأمن العام، في ظل حساسية الوضع الميداني.
وتكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة في ضوء الأرقام الرسمية التي أوردتها الصحيفة البريطانية نفسها، والتي تشير إلى وصول 41472 مهاجرا إلى المملكة المتحدة خلال عام 2025 عبر القنال الإنجليزي (المانش)، وهو ثاني أعلى رقم سنوي يتم تسجيله، كما تفيد البيانات بأن نحو 65000 مهاجر عبروا القنال منذ تولي حزب العمال السلطة في يوليو 2024، ما يعكس اتساع حجم الأزمة رغم التعهدات السياسية المتكررة بالحد منها.
تبادل اتهامات بين الحلفاء
وتعكس هذه الأرقام حالة الإحباط المتبادل بين باريس ولندن، حيث تتهم بريطانيا فرنسا بعدم بذل ما يكفي من الجهد لمنع انطلاق القوارب من سواحلها، في حين ترى فرنسا أن لندن تركز على النتائج دون معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، مثل شبكات التهريب والفوارق الاقتصادية.
ويعود جزء من التوتر الحالي إلى خلافات عميقة حول الاستراتيجيات الميدانية، إذ لم تنفذ فرنسا بعد تعهداتها بتبني تكتيكات بحرية أكثر حزما لاعتراض قوارب المهاجرين، ففي قمة بريطانية فرنسية استضافتها المملكة المتحدة خلال الصيف الماضي، تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنشر وحدات شرطة نخبة للتدخل في البحر واعتراض قوارب المهربين الصغيرة قبل مغادرتها السواحل.
لكن هذه الاستراتيجية الجديدة التي تستهدف ما يعرف بقوارب الأجرة التي تتحرك على طول الساحل لم تطبق حتى الآن، بسبب اعتراضات نقابات الشرطة الفرنسية التي تحذر من المخاطر الكبيرة لاعتراض القوارب الصغيرة في عرض البحر، وما قد يترتب على ذلك من تهديد مباشر لأرواح المهاجرين.
رسالة بريطانية تكشف الإحباط
وكشفت الصحيفة البريطانية عن رسالة مسربة بعث بها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الرئيس الفرنسي أواخر العام الماضي، حذر فيها من أن غياب التكتيكات الجديدة يعني عدم وجود رادع فعال في القنال، في تعبير واضح عن استياء لندن من التأخير الفرنسي في تنفيذ الوعود.
في المقابل، قلل أحد مصادر حركة رايز ذا كولورز من أهمية التهديدات الفرنسية، معتبرا أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم بذل فرنسا جهدا كافيا لوقف القوارب فعليا، مع التشكيك في قدرة هذه الإجراءات على ردع النشطاء عن مواصلة محاولاتهم لمنع العبور.
يشكل القنال الإنجليزي أحد أخطر طرق الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا الغربية، حيث يحاول آلاف المهاجرين سنويا عبوره في قوارب صغيرة وغير آمنة انطلاقا من السواحل الفرنسية باتجاه بريطانيا، وعلى مدار السنوات الماضية، تحولت هذه الظاهرة إلى مصدر توتر سياسي دائم بين باريس ولندن، رغم الاتفاقات الثنائية وتبادل التمويل لتعزيز الرقابة الحدودية، وتواجه الحكومتان انتقادات من منظمات حقوقية تحذر من المخاطر الإنسانية لهذه الرحلات، في وقت تصر فيه السلطات على تشديد الإجراءات الأمنية لردع المهربين، وبين الضغوط السياسية الداخلية، والالتزامات الحقوقية الدولية، تتواصل أزمة القنال كأحد أكثر ملفات الهجرة تعقيدا في أوروبا، مع بقاء الحلول الشاملة بعيدة المنال حتى الآن.











