مدينة تحت الوصاية.. تحذيرات حقوقية من خطة جديدة تعمق مأساة سكان رفح
مدينة تحت الوصاية.. تحذيرات حقوقية من خطة جديدة تعمق مأساة سكان رفح
في وقت يعيش فيه سكان قطاع غزة واحدة من أقسى مراحلهم الإنسانية، تتزايد المخاوف من مشاريع توصف بأنها حلول إنسانية بينما تحمل في جوهرها مخاطر تهجير قسري وإعادة تشكيل جغرافية القطاع وسكانه، وأحدث هذه المشاريع ما يعرف بخطة المدينة الخضراء المزمع إقامتها في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، والتي تطرح على أنها حل لإيواء آلاف الفلسطينيين الذين شردتهم الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.
وفي هذا السياق، جدد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان اليوم السبت، تحذيره في بيان من خطورة الاتفاق الإسرائيلي الأمريكي المتعلق بتنفيذ هذه الخطة، مؤكدا أن ما يطرح ليس سوى حل زائف يفاقم معاناة سكان غزة ولا يعالج جذور الكارثة الإنسانية.
وأوضح المرصد أن الخطة تمثل محاولة لإعادة توزيع السكان قسرا تحت غطاء إنساني، بما يتعارض مع القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
حل لا يوفر حماية حقيقية
بحسب ما كشفه المرصد الأورومتوسطي، تقوم الخطة على إنشاء تجمعات سكنية من الكرفانات في منطقة توصف بالمدينة الخضراء داخل رفح، بعد إخلاء المنطقة بالكامل من سكانها الحاليين وتسوية الأرض وإزالة الأنقاض، وتروج الخطة على أنها استجابة لمعاناة عشرات آلاف النازحين الذين يعيشون منذ أكثر من عامين في خيام متهالكة.
إلا أن جوهرها كما يرى حقوقيون يكمن في فرض انتقال قسري للسكان من مناطقهم الأصلية إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة.
ويحذر المرصد من أن هذا النوع من الترتيبات لا يوفر حماية حقيقية للمدنيين، بل يضعهم تحت رقابة أمنية مشددة ويجعل حصولهم على المأوى والخدمات الأساسية مشروطا بالموافقة على الانتقال والخضوع لإجراءات فحص أمني واسعة.
سيطرة وواقع مفروض
تشير المعطيات التي أوردها المرصد إلى أن المنطقة المخصصة لإقامة المدينة الجديدة تخضع حاليا لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وتنتشر فيها مجموعات مسلحة شكلتها إسرائيل خلال الفترة الماضية، سبق أن تورطت في انتهاكات خطيرة بحق السكان، شملت القتل والنهب والاعتداء، ويثير ذلك مخاوف جدية بشأن سلامة المدنيين الذين قد يتم نقلهم إلى هذه المنطقة، إضافة إلى التساؤل حول الجهة الفعلية التي ستدير هذه التجمعات السكنية.
ويؤكد المرصد أن الخطة تعتمد على نظام فصل جغرافي صارم، يقسم قطاع غزة إلى مناطق مصنفة باللون الأحمر وأخرى باللون الأخضر، تخضع كلها في النهاية لسيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة، وتفصل بين هذه المناطق خطوط عسكرية يمنع الاقتراب منها، حيث تطبق سياسة إطلاق النار ضد أي شخص يحاول تجاوزها، مع توسع مستمر لهذه المناطق على الأرض خلال الأسابيع الأخيرة.
بحسب التحليل الحقوقي، تهدف الخطة عمليا إلى دفع السكان الفلسطينيين قسرا نحو المنطقة الخضراء، من خلال خلق بيئة معيشية وأمنية خانقة في المناطق الأخرى، ويتم ربط إمكانية الوصول إلى الحماية والمساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية بقبول السكان الانتقال إلى هذه التجمعات الجديدة، ما ينفي أي طابع اختياري للعملية ويجعلها شكلا واضحا من أشكال التهجير القسري المحظور دوليا.
ويشدد المرصد على أن إخضاع المدنيين لفحوصات أمنية لتحديد أهليتهم للانتقال، يعني أن الحق في السكن والحماية يتحول إلى امتياز مشروط، يمكن سحبه أو منحه وفقا لمعايير سياسية وأمنية لا علاقة لها بالاحتياجات الإنسانية.
مدن مغلقة ومعازل سكانية
تتضمن الخطة، وفقا لما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية بحسب ما ذكره المرصد، إنشاء مدن من الحاويات السكنية، تستوعب كل واحدة منها نحو 25000 شخص ضمن مساحة لا تتجاوز كيلومترا مربعا واحدا، وتحاط هذه المدن بأسوار ونقاط تفتيش، وتخضع الحركة داخلها وخارجها لترتيبات أمنية مشددة، ما يحولها فعليا إلى معازل مغلقة تقيد حرية السكان في التنقل والعمل والحياة اليومية.
ويرى المرصد أن هذه الترتيبات تكرس واقعا من السيطرة المباشرة والفصل القسري بين التجمعات السكانية في قطاع غزة، وتعيد إنتاج نماذج سبق أن فشلت في توفير الحماية أو الكرامة الإنسانية، بل تحولت في حالات سابقة إلى ساحات لانتهاكات جسيمة.
ويحذر المرصد الأورومتوسطي من أن الخطة تفرض تمييزا منهجيا بين الفلسطينيين، حيث يرتبط النقل إلى المدن المؤقتة باجتياز فحوصات أمنية تحددها السلطات الإسرائيلية والأمريكية ويؤدي ذلك إلى استبعاد فئات واسعة من السكان، بمن فيهم من لهم انتماءات سياسية أو نشاط مدني لا يتوافق مع التصورات المفروضة، وتركهم في مناطق أكثر خطرا وعرضة للحصار والعنف.
ويؤكد المرصد أن هذا النهج لا يقتصر على إدارة أزمة إنسانية، بل يهدف إلى إعادة هندسة التركيبة السكانية والسياسية لقطاع غزة، من خلال فصل السكان وفرزهم على أسس أمنية وسياسية، بما يقوض الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي، وفي مقدمتها الحق في اختيار مكان الإقامة والمشاركة في الحياة العامة.
الدور الأمريكي والمسؤولية
انتقد المرصد بشدة الدور الأمريكي في هذه الخطة، مشيرا إلى أن واشنطن لا تكتفي بدعم سياسي، بل تشارك فعليا في الإشراف على الترتيبات المدنية والعسكرية المرتبطة بها، عبر ما يعرف بمراكز التنسيق المدني العسكري، ويرى المرصد أن هذا الدور يجعل الولايات المتحدة شريكا في إعادة إنتاج واقع الاحتلال والضم والتهجير القسري، ويعرضها لمسؤولية قانونية عن أي انتهاكات قد تنجم عن تنفيذ الخطة.
وأوضح أن هذه المسؤولية تشمل النقل القسري للسكان، والاستيلاء على الأراضي، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وهي أفعال محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني وترقى إلى جرائم جسيمة.
دعوة للمجتمع الدولي
في ختام بيانه، دعا المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف إلى رفض أي خطة أو ترتيبات ميدانية تبقي على السيطرة الإسرائيلية أو تعيد إنتاجها بصيغ جديد، كما طالب بالامتناع عن الاعتراف أو تقديم الدعم لأي وضع ينطوي على تهجير قسري أو ضم للأراضي الفلسطينية.
وأكد المرصد ضرورة العمل الجاد على رفع الحصار المفروض على قطاع غزة، وفتح المعابر، وضمان قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم الإنسانية والمدنية بأنفسهم، واختيار ممثليهم بحرية، مع دعم آليات المساءلة الدولية لضمان عدم إفلات أي طرف من العقاب.
تأتي خطة المدينة الخضراء في سياق العدوان المستمر على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والذي أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية ونزوح غالبية السكان من منازلهم، خاصة في مناطق شمال القطاع ومدينة رفح، ومع تدمير أحياء كاملة وتحويل مساحات واسعة إلى مناطق عسكرية، برزت محاولات لفرض ترتيبات سكانية جديدة تحت مسميات إنسانية، إلا أن منظمات حقوقية دولية حذّرت مرارا من أن هذه الترتيبات تشكل امتدادا لسياسات التهجير القسري وتغيير الواقع الديمغرافي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر نقل السكان قسرا أو فرض حلول دائمة دون موافقتهم الحرة.











