معاناة تتفاقم.. مهجرو عفرين والشهباء عالقون بين الطقس القارس والانتهاكات الأمنية
معاناة تتفاقم.. مهجرو عفرين والشهباء عالقون بين الطقس القارس والانتهاكات الأمنية
تفاقمت معاناة مهجري عفرين والشهباء المقيمين في مقاطعة الطبقة مع موجة البرد والأمطار التي ضربت المنطقة خلال الأيام الماضية، لتتحول الخيام التي تأوي آلاف العائلات إلى مساحات موحلة لا تقي من المطر ولا تحمي من قسوة الشتاء، في وقت يؤكد فيه المهجرون أن العودة إلى ديارهم تبقى حلما مؤجلا بانتظار ضمانات أمنية حقيقية توقف الانتهاكات المستمرة.
ووفقا لما أفادت به وكالة هاوار للأنباء ANHA الأحد، شهد إقليم شمال وشرق سوريا خلال الأسبوع الماضي سلسلة منخفضات جوية قوية ترافقت مع أمطار غزيرة وتساقط للثلوج، ما زاد من حدة الأزمة الإنسانية التي يعيشها مهجرو عفرين والشهباء، وحول الظروف المناخية إلى عامل إضافي يضاعف معاناتهم اليومية.
خيام لا تقي من البرد
في مخيمات التهجير بمقاطعة الطبقة، بدت الخيام عاجزة أمام الأمطار الغزيرة، إذ تسربت المياه إلى داخلها وتحولت المساحات المحيطة بها إلى برك من الطين والمستنقعات، وتقول المهجرة ملك حرك، وهي من مهجري الشهباء، إن أوضاع المخيم هذا الشتاء تفوق الوصف، فرغم محاولات تجديد بعض الخيام، فإنها لا تمنع دخول مياه المطر ولا توفر الحد الأدنى من الدفء.
وتوضح أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا، حيث انتشرت بينهم حالات الرشح والزكام والإنفلونزا، في ظل ضغط كبير على النقطة الطبية ونفاد الأدوية، ما اضطر بعض العائلات إلى إسعاف أطفالها إلى مشافي مدينة الطبقة، وتشير إلى أن البرد والرطوبة ينهكان أجساد السكان، ويضاعفان معاناتهم النفسية والجسدية.
ويبلغ عدد مهجري عفرين والشهباء في مقاطعة الطبقة نحو 17000 نسمة، موزعين بين مخيمات الإيواء والمنازل المستأجرة في المدينة وريفها. ومع كل موجة برد أو هطول مطري، تتكشف هشاشة ظروف الإقامة وغياب البنية التحتية القادرة على حماية هذا العدد الكبير من المدنيين.
انتهاكات تمنع العودة
إلى جانب المعاناة المعيشية، لا يزال شبح الانتهاكات الأمنية يمنع المهجرين من التفكير الجدي بالعودة، أسعد علي عمر، المهجر من ناحية جنديرس في عفرين، يؤكد أن الانتهاكات ما زالت مستمرة، من قتل وسلب ونهب، ليس فقط في عفرين والشهباء، بل في مناطق سورية أخرى كالساحل والسويداء.
ويشير إلى أن حادثة سلب دراجة نارية من أمام منزل أحد معارفه وقعت قبل أيام قليلة، دون قدرة الأهالي على الاعتراض أو فضح ما يجري، خوفا من القتل، ويحمل الحكومة الانتقالية في سوريا مسؤولية ضبط الفصائل المسلحة، مطالبا بعودة آمنة لكل المهجرين في مختلف المناطق السورية.
تهجير متكرر بلا ضمانات
عليا حنان، وهي مهجرة من مدينة عفرين، تختصر مأساة التهجير المتكرر بقولها إنها المرة الثالثة التي تجبر فيها على ترك بيتها، بدأت رحلتها من حلب إلى عفرين، ثم من عفرين إلى الشهباء، وأخيرا من الشهباء إلى الطبقة، وتقول إنهم تركوا بيوتهم كما هي، دون أن يعلموا مصيرها، متسائلة عن الضمانات التي يمكن أن تشجعهم على العودة.
وتصف عليا واقع الحياة تحت الخيام بعد الأمطار بأنه أكثر قسوة من السابق، حيث تسربت المياه إلى الداخل واشتد البرد، ما زاد من انتشار الأمراض، ورغم رغبتها العميقة في العودة، تؤكد أن غياب الضمانات الأمنية يجعل هذا الخيار محفوفا بالمخاطر، خاصة في ظل ما تشهده مناطق سورية أخرى من هجمات وانفلات أمني.
تشدد عليا على أن ما يجري في الساحل والسويداء يعزز مخاوف المهجرين من تكرار السيناريو ذاته في مناطقهم، معتبرة أن العودة دون ضمانات تعني تعريض حياتهم للخطر، وتقول إنهم لا يطلبون سوى العيش بأمان في بيوتهم، بعيدا عن الخوف الدائم من القتل أو النهب.
أزمة موازية في الحسكة
ولا تقتصر معاناة مهجري عفرين على مقاطعة الطبقة، إذ يعيش مئات منهم أوضاعا إنسانية صعبة في مراكز الإيواء القسري بمدينة الحسكة، فقد تفاقمت أوضاع العائلات هناك مع قطع المساعدات الإنسانية وتدهور الظروف المعيشية والصحية، ما دفع الأهالي إلى توجيه رسالة شكوى رسمية إلى الإدارة الذاتية والمنظمات الإنسانية.
وأوضح المهجرون أن المساعدات قُطعت عن أكثر من 10 عائلات بحجة انتقالهم من سكن قديم إلى آخر جديد، في خطوة وصفوها بغير الإنسانية، وأشاروا إلى أن الجهات المسؤولة اشترطت عودتهم إلى السكن القديم لإعادة المساعدات، رغم كونه غير صالح للسكن ويشكل خطرا على حياة الأطفال وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
سكن غير آمن
وأكد الأهالي أن السكن القديم يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، ويعاني من أوضاع صحية متردية وانتشار العقارب والفئران، ما يجعله بيئة غير آمنة، خاصة للأطفال، وأضافوا أنهم ذاقوا مرارة التهجير منذ 7 أو 8 سنوات، ولا يزالون يواجهون التهميش وغياب العدالة.
كما أشاروا إلى أن المجمع السكني الشبابي في مدينة الحسكة، الذي يأوي آلاف المهجرين، يعاني من انقطاع كامل للتيار الكهربائي منذ 5 أيام متواصلة، ما فاقم معاناتهم في ظل البرد القارس.
بدأت مأساة مهجري عفرين والشهباء منذ سيطرة فصائل مسلحة مدعومة من تركيا على منطقة عفرين عام 2018، وما تبع ذلك من عمليات تهجير واسعة للسكان الأصليين، ومع تصاعد العمليات العسكرية في مناطق الشهباء لاحقا، اضطُرت آلاف العائلات للنزوح مجددا نحو مناطق أكثر أمنا نسبيا مثل الطبقة والحسكة، وعلى مدار سنوات التهجير، واجه هؤلاء المدنيون ظروفا إنسانية قاسية، من نقص المساعدات وتردي السكن إلى غياب الضمانات الأمنية للعودة، ومع كل شتاء جديد، تتجدد معاناتهم، لتبقى قضيتهم واحدة من أبرز ملفات النزوح غير المحسومة في سوريا، وسط مطالب متكررة بتحرك إنساني وسياسي يضع حدا لسنوات الألم والانتظار.











