بين الخصوصية والأمن.. إجراءات بريطانية لتفتيش أجهزة المهاجرين الإلكترونية تثير جدلاً حقوقياً

بين الخصوصية والأمن.. إجراءات بريطانية لتفتيش أجهزة المهاجرين الإلكترونية تثير جدلاً حقوقياً
مهاجرون يستخدمون الهاتف

أثارت الخطط الجديدة لوزارة الداخلية البريطانية لمصادرة الهواتف المحمولة وبطاقات الاتصال الخاصة بطالبي اللجوء دون الحاجة إلى اعتقالهم موجة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ومحامين، وسط تحذيرات من أن هذه الإجراءات قد تنتهك الخصوصية الفردية وتتجاوز أحكاماً قضائية سابقة، ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية على الحكومة البريطانية بشأن الهجرة غير النظامية عبر القنال الإنجليزي.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان، يُسمح بدءًا من اليوم الاثنين بتفتيش الأجهزة الإلكترونية للأشخاص الذين يصلون إلى بريطانيا على متن قوارب صغيرة ويُنقلون إلى مركز معالجة مانستون في مقاطعة كِنت، مع توفر تقنيات في الموقع لاستخراج البيانات من تلك الأجهزة، وتشمل الصلاحيات الجديدة السماح للمسؤولين بتفتيش أفواه المحتجزين بحثًا عن شرائح اتصال أو أجهزة إلكترونية صغيرة، إضافة إلى إلزام الوافدين بخلع المعاطف أو القفازات عند وصولهم إلى الموانئ البريطانية، ولم تؤكد وزارة الداخلية ما إذا كانت هذه الإجراءات ستشمل الأطفال، رغم أن مصادر حكومية سابقة قالت إنه قد يتم ذلك إذا اعتُبر ضرورياً ومتناسباً.

أهداف الحكومة

تأتي هذه الإجراءات في إطار جهود رئيس الوزراء كير ستارمر لتشديد القيود على الهجرة غير النظامية، وسط تصاعد الضغوط السياسية مع تقدم حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج في استطلاعات الرأي، وأكدت الحكومة أن تفتيش الهواتف يهدف إلى جمع معلومات استخباراتية حول مسارات الرحلة وشبكات تهريب البشر، وذلك بعد دخول قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة حيّز التنفيذ في ديسمبر الماضي، وقال وزير شؤون الحدود أليكس نوريس إن القوانين الجديدة تمنح السلطات صلاحيات موسّعة لاعتراض شبكات تهريب البشر وتعطيلها بسرعة أكبر.

ردود الفعل الحقوقية

أثارت الخطوة انتقادات منظمات حقوقية ومحامين، معتبرة أنها قد تمثل تجاوزًا للحقوق الأساسية، وقالت ناتاشا تسنغاريديس، المديرة المساعدة في منظمة التحرر من التعذيب، إن إخضاع رجال ونساء وأطفال "يائسين ومصدومين" لتفتيشات تدخلية فور نجاتهم من رحلة خطرة عبر القنال يُعد "لا إنسانياً"، محذرة من أن تطبيق هذه الصلاحيات بشكل جماعي يعامل جميع اللاجئين كتهديد أمني دون أدلة، ويهمل الحق الأساسي في الخصوصية.

كما أعرب محامون عن شكوكهم بشأن مدى توافق الخطط الحكومية في بريطانيا مع حكم صادر عن المحكمة العليا عام 2022 يتعلق بمصادرة الهواتف، وقال جوناه مندلسون، محامٍ في مكتب ويلسون سوليسيترز الذي يمثل عشرات طالبي اللجوء، إن الحكومة لم تحدد آليات إشراف مستقلة لضمان قانونية وعدالة عمليات التفتيش واستخراج البيانات، محذراً من تكرار إخفاقات سبق أن انتقدتها المحاكم.

مانستون وتداعيات التفتيش

يُعالج آلاف طالبي اللجوء الذين يعبرون القنال على متن قوارب مطاطية في مركز مانستون قرب رامسغيت، حيث يصل كثير منهم وهم في حالة صدمة نفسية شديدة، وتشير الحكومة إلى أن التفتيش الرقمي سيساعد على تحديد شبكات التهريب ومصدر المعلومات، لكن المحللين الحقوقيين يرون أن التدخل الفوري في الأجهزة الشخصية فور وصول اللاجئين يزيد من شعورهم بعدم الأمان ويؤثر على صحتهم النفسية.

كما كشف التقرير أن وزارة الداخلية تخطط لنقل أول مجموعة من طالبي اللجوء إلى موقع عسكري في شرق مقاطعة ساسكس خلال أسابيع، في خطوة تهدف إلى تقليص الاعتماد على فنادق الإيواء، وأكد رئيس الوزراء أن البريطانيين سيبدؤون خلال الأشهر المقبلة برؤية "أدلة" على إغلاق فنادق الإيواء وتسريع إجراءات الاستيعاب في مواقع مخصصة.

أرقام الهجرة وأثرها السياسي

تشير البيانات الرسمية إلى أن 41,472 مهاجراً وصلوا إلى بريطانيا عام 2025 بعد عبور القنال، وهو ثاني أعلى رقم سنوي على الإطلاق، بزيادة 13 في المئة مقارنة بعام 2024، و41 في المئة مقارنة بعام 2023، لكنه أقل بنسبة 9 في المئة عن الرقم القياسي المسجل عام 2022، وفي ظل هذه التطورات، تظهر استطلاعات الرأي تقدم حزب الإصلاح على حزب العمال، إذ يشير استطلاع لمؤسسة مور إن كومون إلى احتمال فوز الحزب بـ381 مقعدًا برلمانيًا، ما يعكس تأثير ملف الهجرة على المشهد السياسي البريطاني.

تمثل قضية طالبي اللجوء عبر القنال الإنجليزي تحدياً مستمراً للحكومات البريطانية المتعاقبة، فمع تزايد أعداد الوافدين على متن قوارب صغيرة، اعتمدت الدولة مجموعة من الإجراءات الأمنية والإدارية لتسجيلهم ومعالجة طلباتهم، مع مراعاة القوانين الوطنية والدولية المتعلقة بحقوق اللاجئين، ومنذ إصدار قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة في ديسمبر الماضي، تم منح وزارة الداخلية صلاحيات إضافية لمراقبة والتحقق من هوية الوافدين والتعامل مع شبكات التهريب.

ومع ذلك، تثير هذه الإجراءات تساؤلات قانونية وأخلاقية حول الحد الفاصل بين حماية الأمن القومي وحق الأفراد في الخصوصية وكرامة الإنسان، وتؤكد المنظمات الحقوقية أن أي تدخل في الأجهزة الشخصية يجب أن يكون محدوداً ومراقباً، مع ضمان إمكانية الطعن القضائي والمساءلة، لتجنب تكرار تجاوزات سابقة اعتبرت غير قانونية من قبل المحاكم البريطانية، وتجدر الإشارة إلى أن هذه المسألة تعكس التوازن الدقيق الذي تحاول الحكومة البريطانية تحقيقه بين مكافحة الهجرة غير النظامية والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية