من المواجهة إلى التمكين.. كيف تصوغ نساء مصر مسار الحماية والاستقلال؟
من المواجهة إلى التمكين.. كيف تصوغ نساء مصر مسار الحماية والاستقلال؟
شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً مقلقاً في أشكال العنف الموجه ضد النساء، سواء في الفضاء العام أو داخل المنازل أو عبر المنصات الرقمية، ما انعكس بآثار عميقة على حياة النساء النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وفرض هذا الواقع المتغير على المؤسسات النسوية في مصر أن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تركز بشكل أكبر على بناء منظومات حماية متكاملة، لا تكتفي بالاستجابة للأزمات، بل تعمل على معالجة جذور المشكلة عبر التمكين والاستقلال والدعم القانوني والمجتمعي.
وفي هذا السياق استعرضت هبة عادل رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، في حوار مع وكالة أنباء المرأة نشر الثلاثاء تقييمها لما شهده عام 2025 من تحديات في ملف العنف ضد النساء، وتحدثت عن أثر ذلك في برامج العمل النسوي، وخطط المؤسسة للعام الجديد، إضافة إلى رؤيتها لوضع التشريعات والشراكات في ظل واقع متغير ومعقد.
عام العنف المتصاعد
تصف هبة عادل العام الماضي بأنه كان من أكثر الأعوام تعقيداً على صعيد قضايا النساء، مشيرة إلى زيادة ملحوظة في معدلات العنف بأشكاله المختلفة، من تحرش وتنمر وابتزاز رقمي، وصولاً إلى حالات قتل ممنهج. وتوضح أن المؤسسات النسوية تلقت خلال هذا العام عدداً غير مسبوق من الشكاوى، تنوعت من حيث أعمار الضحايا وخلفياتهن الاجتماعية وطبيعة الانتهاكات التي تعرضن لها، ما عكس اتساع دائرة العنف وتغلغله في شرائح مختلفة من المجتمع.
وترى أن هذا التصاعد فرض على المؤسسات تكثيف حملات التوعية، خصوصاً فيما يتعلق بالجرائم الرقمية التي باتت تشكل تهديداً مباشراً لأمان النساء واستقرارهن. ووفق حديثها، لم تعد المواجهة تقتصر على تقديم الدعم القانوني، بل امتدت إلى بناء وعي مجتمعي أوسع بخطورة هذه الجرائم، وربط الحماية بالتمكين والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي.
التمكين وسيلة للحماية
تؤكد رئيسة مجلس الأمناء أن الدراسات والملاحظات الميدانية أثبتت أن تمكين النساء هو الأداة الأكثر فاعلية في مواجهة العنف. فالمرأة التي تمتلك دخلاً مستقلاً، وتشارك في اتخاذ القرار، وتتمتع بوعي قانوني واجتماعي، تكون أكثر قدرة على حماية نفسها ومواجهة الانتهاكات. من هذا المنطلق، ركزت المؤسسة خلال العام الماضي على تنفيذ برامج لبناء القدرات، شملت التدريب على المشاركة السياسية، وتنمية المهارات المهنية، وإطلاق مبادرات لتطوير المهارات القيادية والرقمية لدى النساء.
وتضيف أن هذه البرامج لم تكن مجرد أنشطة تدريبية، بل مسارات متكاملة تهدف إلى تعزيز ثقة النساء بأنفسهن، وفتح آفاق جديدة أمامهن في سوق العمل والحياة العامة، ما ينعكس إيجاباً على أوضاعهن داخل الأسرة والمجتمع.
حملات ومبادرات ميدانية
ضمن جهودها لمناهضة العنف، شاركت المؤسسة في تنظيم فعاليات موسعة خلال حملة 16 يوماً لمناهضة العنف ضد النساء، مع التركيز على القرارات الدولية المتعلقة بالمرأة والأمن والسلام، كما استمرت الحملات المرتبطة بالتمكين السياسي، ولا سيما خلال الانتخابات النقابية، حيث جرى دعم المرشحات وتقديم الاستشارات القانونية والتدريبية لهن، بهدف تعزيز تمثيل النساء في المجالس المختلفة.
وتوضح عادل أن هذه الجهود أسهمت في رفع مستوى الوعي المجتمعي، وخلقت مساحات أوسع لنقاش قضايا المرأة في مصر بعيداً عن الصور النمطية، مؤكدة أن التغيير وإن كان بطيئاً، فإنه بات ملموساً في بعض القطاعات.
أزمة التمويل وتحديات الاستمرارية
لم تكن التحديات المالية بعيدة عن المشهد، إذ تشير هبة عادل إلى أن نقص التمويل أثر بشكل مباشر في استمرارية العديد من البرامج النسوية، خصوصاً في الدول التي تفتقر إلى مصادر تمويل ذاتية للمجتمع المدني، وتوضح أن بعض البرامج توقفت بشكل مفاجئ نتيجة إعادة تصنيف خارطة التمويل، ما وضع المؤسسات أمام اختبارات صعبة.
لكنها ترى في هذه الأزمة فرصة لإعادة التفكير في الاستراتيجيات المعتمدة، عبر تنمية الموارد المحلية، وبناء شراكات مستدامة، وتدريب فرق العمل على التخطيط طويل المدى، ما يضمن استمرار البرامج وتحقيق أثر مستدام رغم تقلبات التمويل.
خطط العام الجديد والشراكات
تتجه خطط المؤسسة للعام الجديد نحو تعزيز التمكين الاقتصادي والسياسي للمرأة المصرية، والعمل على تطوير التشريعات بما يوفر حماية فعالة من العنف، كما تشمل الخطط ربط مشاريع التمكين بقضايا البيئة والاستدامة، وتقديم برامج تعليمية مبتكرة للفتيات للحد من التسرب من التعليم، مع توفير بيئة آمنة ومحفزة على التعلم وتنمية المهارات الحياتية.
وتؤكد عادل أن الشراكات تمثل ركيزة أساسية في هذه الخطط، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي، فالمؤسسات النسوية باتت تعتمد بشكل متزايد على العمل ضمن شبكات وتحالفات لتوحيد الجهود، وتبادل الخبرات، وتنفيذ مشاريع مشتركة، مثل العمل على تطوير قوانين موحدة لمناهضة العنف، أو إطلاق برامج إقليمية للتمكين السياسي.
التشريعات بين الواقع والحاجة للتغيير
حول الجدل الدائر بشأن القوانين، ترى رئيسة مجلس الأمناء أن المشكلة لا تكمن في عدد القوانين، بل في قدمها وعدم مواكبتها للواقع الحالي، وتشدد على أن ترقيع التشريعات لم يعد كافياً، وأن هناك حاجة حقيقية لإصلاح شامل، بل واستبدال بعض القوانين بأخرى جديدة تعكس احتياجات المجتمع، وتوازن بين العقاب والتأهيل.
وتضيف أن للحكومة دوراً محورياً في هذا المسار لا يقتصر على التشريع، بل يمتد إلى إطلاق حملات توعية تسهم في تغيير الصورة الذهنية السائدة، ومواجهة الخطاب الذي يطبع العنف ضد النساء ويجعله أمراً اعتيادياً.
قراءة في المشهد العام
رغم التحديات الكبيرة التي واجهت المؤسسات النسوية خلال عام 2025، يتضح أن تمكين النساء لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحة لمواجهة العنف وتحقيق العدالة والمساواة، وأظهرت التجارب الميدانية قدرة النساء على تحويل التحديات إلى فرص، سواء عبر التمكين الاقتصادي، أو المشاركة السياسية، أو اكتساب المهارات الرقمية والقيادية.
كما أبرزت التجربة أهمية الاستدامة في العمل النسوي، عبر تنمية الموارد المحلية، وبناء شراكات قوية، والعمل الجماعي الذي يتيح تبادل الخبرات وتطوير استراتيجيات أكثر فاعلية في مواجهة الانتهاكات.
يأتي هذا الحراك النسوي في ظل سياق إقليمي ودولي يشهد تغيرات متسارعة في قضايا الحقوق والحريات، وتزايداً في أشكال العنف المرتبطة بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية. وفي مصر، كما في العديد من دول المنطقة، تواجه النساء تحديات مركبة تتقاطع فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية، ومع اتساع استخدام الفضاء الرقمي، ظهرت أنماط جديدة من العنف تتطلب أدوات حديثة للمواجهة.
في هذا الإطار تلعب المؤسسات النسوية دوراً محورياً في سد الفجوات، والدفاع عن حقوق النساء، والعمل على بناء مجتمع أكثر أمانا وعدالة، يقوم على التمكين، وتحديث التشريعات، وتعزيز الشراكات، لضمان أثر طويل المدى ومستدام للنساء والفتيات في مختلف مناحي الحياة.











