أجواء قاتلة.. درجات تحت الصفر تكشف هشاشة حماية المشردين بالمدن الألمانية

أجواء قاتلة.. درجات تحت الصفر تكشف هشاشة حماية المشردين بالمدن الألمانية
ظاهرة التشرد

مع موجة برد قاسية تضرب ألمانيا، تتصاعد المخاوف على حياة آلاف المشردين الذين يواجهون درجات حرارة متجمدة دون مأوى دافئ أو حماية كافية، وتتوالى تحذيرات منظمات الرعاية الاجتماعية، مؤكدة أن البرد لم يعد مجرد ظرف موسمي عابر، بل تهديداً مباشراً للحياة، في ظل ثغرات واضحة في منظومة الإيواء والرعاية، ونقص في أماكن النوم الآمنة، وتفاوت كبير في مستوى الاستجابة بين مدينة وأخرى.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، الأربعاء، عن رابطة العمل الألمانية الاتحادية لمساعدة المشردين تحذيرها من وجود فجوات خطيرة في إمدادات الرعاية خلال الطقس شديد البرودة، مؤكدة أن هذه الثغرات تترك فئات واسعة من دون حماية فعلية في ساعات الليل القارس، حين تتحول الشوارع إلى بيئة معادية للحياة.

الخطر الذي لا يُرى

تشير ماري زول جيرش، ممثلة الرابطة، إلى أن المشردين غير قادرين على مواجهة درجات الحرارة المنخفضة للغاية بسبب غياب المأوى الدافئ. 

وتوضح أن البرد يشكل خطرا وجوديا، إذ يمكن لانخفاض حرارة الجسم أن يحدث خلال وقت قصير، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو سوء تغذية أو إنهاك جسدي، وتضيف أن المشكلة لا تقتصر على البرد ذاته، بل تتفاقم بفعل نقص أماكن النوم الآمنة، وتقييد الوصول إلى خدمات المساعدة، إضافة إلى الإقصاء المجتمعي الذي يحرم كثيرين من طلب الدعم أو الحصول عليه.

بحسب هيئة الأرصاد الجوية الألمانية، استمرت الأجواء الباردة خلال الأيام الأخيرة، حيث انخفضت درجات الحرارة ليلا بين الثلاثاء والأربعاء في أجزاء واسعة من البلاد إلى نطاق الصقيع المتوسط، وبلغت في بعض المناطق 10 درجات مئوية تحت الصفر، وفي جنوب ألمانيا والمناطق الجبلية الشرقية والجنوبية الشرقية، سجلت درجات حرارة أشد قسوة وصلت في كثير من المناطق إلى 18 درجة مئوية تحت الصفر. هذه الأرقام تضع المشردين في مواجهة مباشرة مع خطر الموت، خصوصا خلال ساعات الليل الطويلة.

إيواء طارئ لا يكفي

في مدن ألمانيا الكبرى، تتوافر عادة مراكز إيواء طارئة خلال فصل الشتاء، إلى جانب خدمات متنقلة تقدم المشروبات الساخنة وأكياس النوم في الشوارع، غير أن رابطة العمل الألمانية لمساعدة المشردين ترى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تلبي الاحتياجات الفعلية في جميع البلديات، وتشير إلى أن الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء غالبا ما تكون محدودة، ما يضطر كثيرين إلى العودة للشارع حتى في أشد الليالي برودة.

تنتقد الرابطة ما تصفه بعدم الالتزام الكامل من قبل بعض البلديات بواجبها القانوني في حماية الأشخاص من خطر التجمد، فبينما تنص القوانين المحلية على مسؤولية السلطات عن درء المخاطر التي تهدد الحياة، ترد تقارير متكررة تفيد بأن أشخاصا من خارج المنطقة أو أجانب لا يحصلون على إيواء كاف، أو يواجهون عراقيل إدارية تحول دون دخولهم مراكز الطوارئ، هذه الممارسات، بحسب الرابطة، تخلق تمييزا فعليا في الحق بالحماية، وتعرض الفئات الأضعف لمخاطر مضاعفة.

واقع أوسع من الشتاء

أزمة التشرد في ألمانيا لا ترتبط بفصل الشتاء وحده، لكنها تصبح أكثر قسوة ووضوحا مع انخفاض درجات الحرارة، فبحسب تقديرات رابطة العمل الألمانية لمساعدة المشردين، كان أكثر من 1000000 شخص بلا مسكن في ألمانيا خلال عام 2024. هذا الرقم يشمل من يعيشون في الشوارع، ومن يقيمون في مساكن مؤقتة أو غير مستقرة، ويعكس أزمة إسكان ورعاية اجتماعية ممتدة، تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية.

وفي هذا الشتاء، سجلت الرابطة حالة وفاة واحدة على الأقل بسبب البرد، وهي حصيلة لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للخطر، إذ إن حالات الوفاة أو الأضرار الصحية الشديدة قد لا يتم ربطها دائما بشكل مباشر بالتشرد أو انخفاض حرارة الجسم.

الإقصاء الاجتماعي كعامل خطر

يشير مختصون في العمل الاجتماعي إلى أن الإقصاء المجتمعي يلعب دورا محوريا في تفاقم معاناة المشردين، فالكثير منهم يعانون من فقدان الثقة بالمؤسسات، أو من تجارب سابقة سلبية مع السلطات، ما يدفعهم إلى تجنب مراكز الإيواء حتى عندما تكون متاحة. كما أن القيود المفروضة في بعض المراكز، مثل أوقات الدخول والخروج الصارمة أو شروط الإقامة، تشكل عائقا أمام فئات معينة، بينها من يعانون من اضطرابات نفسية أو إدمان.

تطالب رابطة العمل الألمانية لمساعدة المشردين بتوسيع الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء الطارئة، وضمان فتحها دون قيود إقليمية أو تمييزية، إضافة إلى تعزيز الخدمات المتنقلة في الشوارع، وتوفير فرق تدخل سريعة خلال الليالي شديدة البرودة، كما تدعو إلى تنسيق أفضل بين البلديات والمنظمات غير الحكومية، لضمان عدم ترك أي شخص دون حماية عندما تنخفض درجات الحرارة إلى مستويات تهدد الحياة.

شتاء يكشف هشاشة المنظومة

تكشف موجات البرد المتكررة عن هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية للمشردين، حتى في واحدة من أقوى الاقتصادات الأوروبية، فبينما تمتلك ألمانيا موارد كبيرة وبنية تحتية متقدمة، لا يزال آلاف الأشخاص يواجهون خطر الموت بسبب البرد، هذا التناقض يطرح أسئلة عميقة حول أولويات السياسات الاجتماعية، وقدرتها على الوصول إلى الفئات الأكثر تهميشا في اللحظات الحرجة.

تعد ألمانيا من الدول التي تعتمد نظاما اتحاديا يمنح البلديات صلاحيات واسعة في إدارة شؤون الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك إيواء المشردين، ورغم وجود أطر قانونية تلزم السلطات المحلية بحماية الأفراد من المخاطر التي تهدد حياتهم، إلا أن التطبيق يختلف من منطقة إلى أخرى، ومع ارتفاع تكاليف السكن في المدن الكبرى، وتزايد أعداد الأشخاص بلا مأوى خلال السنوات الأخيرة، باتت قدرات مراكز الإيواء الطارئة محدودة أمام الطلب المتزايد، خاصة في فصل الشتاء. 

وتؤكد منظمات المجتمع المدني أن معالجة المشكلة تتطلب حلولا طويلة الأمد، تشمل سياسات إسكان ميسورة، ودعما نفسيا واجتماعيا مستداما، إلى جانب استجابة طارئة فعالة خلال فترات البرد القارس، لضمان ألّا يتحول الشتاء إلى حكم بالإعدام على من لا يملكون سقفا يحميهم.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية