روبيو.. نجل مهاجر كوبي ومهندس سياسة واشنطن في أمريكا اللاتينية
روبيو.. نجل مهاجر كوبي ومهندس سياسة واشنطن في أمريكا اللاتينية
نشأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في قلب الجالية الكوبية بمدينة ميامي، محاطاً بذاكرة المنفى والعداء العميق للشيوعية، حيث كبر وهو يستمع إلى قصص الهروب من حكم فيدل كاسترو والحلم الدائم بسقوط النظام في هافانا.
ومنذ دخوله المعترك السياسي، جعل روبيو من مواجهة اليسار في أمريكا اللاتينية، ولا سيما في كوبا وفنزويلا، محوراً ثابتاً في مسيرته السياسية، بحسب ما ذكرت وكالة "فرانس برس"، اليوم الأربعاء.
يعيش روبيو اليوم لحظة سياسية مفصلية، مع إطاحة الجيش الأمريكي بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقاله، وهو تطور طالما سعى إليه وعدّه انتصاراً استراتيجياً ضد ما يصفه بمحور “الأنظمة غير الشرعية” في القارة.
غير أن هذا الانتصار، وفق مراقبين، جاء مقروناً بتنازلات سياسية أثارت تساؤلات حول ما إذا كان روبيو قد تخلى عن مواقفه التقليدية في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويحظى روبيو، بوصفه أول وزير خارجية أمريكي من أصول لاتينية، بدور مركزي في رسم ملامح المرحلة المقبلة في فنزويلا الغنية بالنفط، بعدما لمح الرئيس دونالد ترامب إلى أن قرارات واشنطن المتعلقة بكراكاس ستُدار من داخل دائرته الضيقة، وعلى رأسها روبيو.
من التشدد إلى الواقعية
وصف روبيو على مدى سنوات مادورو بأنه رئيس “غير شرعي”، ودعا خلال عمله بوصفه سيناتوراً عام 2023 إلى تشديد العقوبات ومنح أولوية “للانتقال الديمقراطي للسلطة”.
غير أن لهجته تغيّرت بعد سقوط مادورو، إذ قال إن الحديث عن انتخابات “ما زال مبكراً”، في مؤشر على تحوّل براغماتي فرضته حسابات المصالح.
همّش ترامب في هذا السياق زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، واختار التعاون مع ديلسي رودريغيز التي تولت الرئاسة، مقابل استجابة كاراكاس لمطالب واشنطن، وعلى رأسها فتح المجال أمام شركات النفط الأمريكية للعمل في البلاد.
وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق بريت بروين، إن “هذا ليس روبيو الذي عرفناه”، مضيفاً أن ما نشهده هو “روبيو الواقعية السياسية” الذي يرى فرصة تاريخية للإطاحة بمادورو حتى لو تطلب ذلك التراجع عن بعض شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية، في سبيل هدف أوسع يتمثل في تقليص النفوذ الشيوعي، ولا سيما في كوبا التي تحصل على نحو نصف احتياجاتها النفطية من فنزويلا.
خصم سابق لترامب
أثار ترشيح روبيو لتولي حقيبة الخارجية استغراباً داخل أوساط حركة “ماغا” المؤيدة لترامب، خاصة أن الرجلين كانا خصمين شرسين خلال سباق الحزب الجمهوري عام 2016، حين سخر ترامب من “ماركو الصغير”، وردّ عليه روبيو بانتقادات لاذعة.
طيّ هذا الخلاف بدا واضحاً لاحقاً، إذ أظهر روبيو ولاءً كاملاً لترامب، وتولى إلى جانب الخارجية منصب مستشار الأمن القومي، ليصبح أول شخصية تجمع المنصبين منذ عهد هنري كيسنجر.
ونتيجة لذلك بات يقضي معظم وقته في البيت الأبيض، مشاركاً في صياغة القرارات، بدل الانخراط في الدبلوماسية التقليدية القائمة على الجولات الخارجية.
تحوّل ظهوره الصامت خلال اجتماع شهير في 28 فبراير حين هاجم ترامب ونائبه جاي دي فانس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى مادة للسخرية على وسائل التواصل، باعتباره رمزاً لتراجع دور وزير الخارجية لمصلحة مركزية قرار الرئيس.
الهجرة.. عقدة شخصية
حافظ روبيو خلال 14 عاماً في مجلس الشيوخ على علاقات جيدة مع زملائه، ما سهّل تثبيته وزيراً للخارجية بإجماع نادر، غير أن نجمه لمع داخل أوساط “ماغا” ليس بسبب الدبلوماسية، بل لدوره في إلغاء تأشيرات آلاف الأجانب، بينهم طلاب شاركوا في احتجاجات ضد إسرائيل، وهو ما دفع بعض الديمقراطيين إلى التعبير عن ندمهم على دعمه.
يعكس هذا التحول تناقضاً مع خلفيته الشخصية، إذ إن والديه مهاجران هربا من نظام كاسترو، وفي سيرته الذاتية “الابن الأمريكي” (2012) كتب روبيو أنه لا يحتمل سماع المهاجرين يُوصَفون بعبارات مهينة، مؤكداً أن عائلته عاشت ألم فقدان الوطن، وأن الشعور بالمنفى ما زال يرافقه.
يجسّد مسار روبيو اليوم مزيجاً معقداً من الهوية والمنفعة السياسية، بين جذور مهاجرة شكلت وعيه، وواقعية براغماتية فرضتها السلطة.











