عام من النار والتدمير.. كيف أعاد العدوان الإسرائيلي تشكيل مخيمات اللاجئين شمال الضفة؟
عام من النار والتدمير.. كيف أعاد العدوان الإسرائيلي تشكيل مخيمات اللاجئين شمال الضفة؟
منذ نحو عام، تعيش مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمالي الضفة الغربية المحتلة واحدة من أكثر مراحلها قسوة، في ظل عدوان إسرائيلي موسع لم يتوقف منذ انطلاقه، وترك آثارا عميقة على الجغرافيا والسكان والحياة اليومية، وقد بدأت عملية عسكرية حملت اسم السور الحديدي، بمخيم جنين ثم امتدت إلى مخيمي طولكرم ونور شمس، وحولت هذه التجمعات المكتظة بالحياة إلى مساحات شبه خالية، يخيّم عليها الدمار والنزوح والخوف من المجهول.
ووفق ما أوردته وكالة أنباء الأناضول الأربعاء، فإن العملية العسكرية التي انطلقت في 21 يناير 2025، أدت إلى تحويل مخيم محافظة جنين ومخيمي طولكرم ونور شمس إلى ما يشبه مدن أشباح، في ظل هدم واسع للمنازل، وشق طرقات عسكرية، وفرض حصار خانق حال دون عودة السكان إلى بيوتهم.
تصعيد متصل بحرب غزة
يأتي هذا العدوان في سياق تصعيد إسرائيلي مستمر منذ بدء الحرب على قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، حيث توسعت العمليات العسكرية في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق، وشملت هذه العمليات القتل والاعتقال والتهجير والتوسع الاستيطاني، وسط تحذيرات فلسطينية من أن هذا المسار يهدف إلى فرض واقع جديد يمهد لضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.
وخلال هذه الفترة، استشهد ما لا يقل عن 1107 فلسطينيين في الضفة الغربية، وأصيب نحو 11000 آخرين، فيما تجاوز عدد المعتقلين 21000 فلسطيني، بحسب معطيات حقوقية فلسطينية.
يرى خبراء فلسطينيون أن العدوان الإسرائيلي لم يقتصر على استهداف أفراد أو مجموعات، بل استهدف بنية المخيمات ذاتها، فقد جرى هدم منازل وشق طرقات عريضة داخل المخيمات، في محاولة لتقسيمها إلى مربعات أمنية، على غرار المحاور التي شقها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة خلال الحرب، وهو ما يعد تغييرا جذريا في طبيعة هذه المخيمات التي نشأت كمساحات سكنية ضيقة متلاصقة.
حصيلة عام من العدوان
وبحسب مرصد شيرين الحقوقي، أسفر العدوان الإسرائيلي الموسع على مخيمات شمال الضفة منذ انطلاقه العام الماضي عن استشهاد 84 فلسطينياً في مدينة جنين ومخيمها، و17 فلسطينياً في محافظة طولكرم، كما دمرت مئات المنازل خلال عام واحد، وأجبرت نحو 32000 فلسطيني على النزوح القسري، وفقا لبيانات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا.
وفي السياق ذاته، أفاد نادي الأسير الفلسطيني بأن حملة الاعتقالات التي رافقت العدوان طالت 2300 فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، وأفرج عن بعضهم لاحقا.
اعتقالات وانتهاكات ميدانية
وأوضح نادي الأسير أن الاعتقالات جاءت ضمن حملة اتسمت بالتصعيد الممنهج، شملت تحويل منازل الفلسطينيين إلى ثكنات عسكرية ونقاط تحقيق ميداني، إلى جانب اعتداءات جسدية وصفها بالوحشية، وعمليات تعذيب وتهديد مباشر للأفراد وعائلاتهم.
وأشار إلى أن القوات الإسرائيلية استخدمت المواطنين في الضفة كرهائن ودروع بشرية، ونفذت عمليات سلب ونهب وهدم واسع، أسفرت عن تهجير عشرات الآلاف وفرض واقع قسري جديد على سكان المخيمات.
بداية النار من جنين
بدأ العدوان الإسرائيلي ظهر 21 يناير 2025 بقصف جوي نفذته طائرات مسيرة استهدف مخيم جنين، وأسفر خلال يومين عن استشهاد 12 فلسطينياً وإصابة نحو 40 آخرين، وتزامن ذلك مع فرض حصار مشدد على المخيم، ومنع دخول المساعدات، قبل أن تتوسع العمليات لتشمل أحياء وبلدات مجاورة.
وحتى اليوم الأربعاء، بلغ عدد الشهداء في محافظة جنين 84 فلسطينياً، إضافة إلى عشرات الجرحى، فيما تعرضت جميع منازل ومنشآت المخيم لأضرار جزئية أو كلية، بحسب تقديرات رسمية فلسطينية.
نسف المنازل وشق الطرق
في 21 فبراير 2025، شهد مخيم جنين نسف 21 منزلا دفعة واحدة، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الدمار في قطاع غزة، كما شقّ الجيش الإسرائيلي طرقا واسعة داخل المخيم، بهدف منع إعادة بناء المنازل، وتحويله إلى حي مفتوح يسهل السيطرة عليه عسكريا.
وامتدت هذه السياسة إلى مخيمي طولكرم ونور شمس، حيث شق الجيش الإسرائيلي طرقات عسكرية على حساب مئات المنازل، وشرع لاحقا في تعبيدها، في خطوة يرى الفلسطينيون أنها ترسيخ لواقع الاحتلال ومنع أي عودة للحياة الطبيعية.
جنين تحت الركام
وبحسب وكالة الأناضول، قالت فرحة أبو الهيجا، عضو لجنة خدمات مخيم جنين، في تصريحات سابقة إن إسرائيل دمرت أكثر من 800 منزل كليا وجزئيا، وأحرقت منازل أخرى، ودمرت البنية التحتية والمؤسسات بالكامل.
وأوضحت أن عمليات الهدم والحرق ما زالت متواصلة، وأدت إلى نزوح أكثر من 17000 نسمة، يعيشون اليوم في ظروف معيشية ونفسية بالغة الصعوبة.
نزوح بلا أفق
وأضافت أبو الهيجا أن النزوح القسري كان من أصعب التجارب التي عاشها سكان المخيم، حيث تفرقت العائلات بين قرى وبلدات وأحياء مدينة جنين، وفقد الأطفال انتظامهم في التعليم، رغم محاولات توفير حافلات لنقلهم إلى مدارس بديلة في المناطق المجاورة.
ووصفت الأوضاع النفسية للنازحين بأنها قاسية، مؤكدة أن الفلسطينيين يعيشون بلا حلم أو أفق حل، بعد أن فقدوا ذكرياتهم وارتباطهم اليومي بالمخيم، ولا يزال الحنين يلاحقهم لأبسط تفاصيل حياتهم السابقة.
امتداد العدوان إلى طولكرم
في 27 يناير 2025، وسّع الجيش الإسرائيلي عملياته من جنين إلى محافظة طولكرم، ما أسفر عن استشهاد 5 فلسطينيين، قبل أن تصل العمليات في 9 فبراير إلى مخيم نور شمس شرق المدينة.
وخلال الأسابيع الماضية، شرعت إسرائيل في تعبيد شوارع داخل المخيمين، في خطوة تحول دون إعادة بناء المنازل، وتحول المخيم بأكمله إلى حي صغير مفتوح ومسيطر عليه أمنيا.
نزوح جماعي وتدمير واسع
وأفادت اللجنة الإعلامية لمخيمي نور شمس وطولكرم بأن العملية العسكرية أدت إلى تهجير قسري لأكثر من 5000 عائلة، أي ما يزيد على 25000 فلسطيني، كما دمر أكثر من 1440 منزلا تدميرا كليا، وتضرر نحو 2573 منزلا جزئيا، وسط استمرار إغلاق مداخل المخيمين بالسواتر الترابية، وتحويلهما إلى مناطق شبه خالية من الحياة.
تعد مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية من أكثر المناطق كثافة سكانية، وقد أنشئت بعد نكبة عام 1948 لإيواء آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وعلى مدى عقود، شكّلت هذه المخيمات رمزا للجوء والتمسك بحق العودة، لكنها تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مسرح لعمليات عسكرية متكررة، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي منذ عام 2023، باتت المخيمات هدفا مباشرا لسياسات تهدف إلى تفكيك بنيتها الاجتماعية والجغرافية، عبر الهدم والتهجير وشق الطرق، في مسار يثير مخاوف واسعة من تغييرات دائمة تمس مستقبل اللاجئين وحقهم في العودة، وتعيد رسم واقع الضفة الغربية بالقوة.











