رصاصة في الرأس.. مقتل روبينا أمينيان يكشف وجهاً جديداً للقمع في إيران
رصاصة في الرأس.. مقتل روبينا أمينيان يكشف وجهاً جديداً للقمع في إيران
تلخّص مأساة القمع في إيران أحياناً في رقم، وأحياناً في اسم، لكن اسم روبينا أمينيان، الشابة البالغة من العمر 23 عاماً، تحوّل إلى شاهد حيّ على عنف الدولة وعلى حزنٍ لا يُسمح حتى بإعلانه.
قُتلت روبينا برصاصة في مؤخرة الرأس خلال مشاركتها في مظاهرة شعبية في طهران، غير أن معاناة عائلتها لم تتوقف عند لحظة القتل، بل بدأت بعدها، مع مصادرة الجثمان، ومنع الحداد، وفرض طوق أمني على الأحياء، بحسب ما ذكرت قناة "فرانس 24"، اليوم الخميس.
تسجّل روبينا أمينيان نفسها ضمن آلاف الضحايا الذين سقطوا جراء القمع الأمني الذي تمارسه السلطات الإيرانية بحق متظاهرين خرجوا إلى الشوارع منذ أيام للمطالبة بالتغيير وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
وتكشف شهادات أقاربها أن مقتلها لم يكن حادثاً عارضاً، بل نتيجة مباشرة لاستخدام القوة المميتة ضد تجمعات مدنية.
أُصيبت برصاصة حية
تكشف خالتها، هالي نوري، في شهادة خاصة لقناة "فرانس 24"، تفاصيل مقتل الطالبة التي أُصيبت برصاصة حية في مؤخرة الرأس يوم الخميس 8 يناير، أثناء مظاهرة قرب أحد الحُرُم الجامعية في طهران.
وتستحضر نوري صورة ابنة أختها قائلة: "كانت روبينا استثنائية، مليئة بالحياة، ومصدر فرح لنا جميعاً".
تُوجّه هالي نوري التي تتحدث من مقر إقامتها في النرويج نداءً حاداً إلى المجتمع الدولي، معتبرة أن "ما يحدث في إيران جريمة ضد الإنسانية"، ومشددة على أن "الصمت مشاركة في الجريمة".
ودعت إلى إغلاق السفارات الإيرانية والوقوف إلى جانب الشعب الإيراني "لا إلى جانب الجمهورية الإسلامية"، وفق تعبيرها.
تعرّف بالضحية وحلمها
تدرس روبينا أمينيان فن التصميم النسيجي في كلية «شرياتي» التقنية والمهنية بطهران، وهي جامعة مخصصة للنساء. وكانت، بحسب خالتها، تتحدث دائماً عن المستقبل، وتحلم بالعمل والعيش في مدينة ميلانو الإيطالية. وتصفها نوري بأنها كانت «مبدعة كبيرة» ذات طموح فني واضح.
تغادر روبينا صباح يوم 8 يناير مكان عملها برفقة أصدقائها، لتجد نفسها فجأة وسط مظاهرة اندلعت قرب الحرم الجامعي، فانضمّت إلى الحشد الطلابي، وفي المساء، تتلقى عائلتها اتصالاً يفيد بإصابتها برصاصة حية، قبل أن يتبيّن لاحقاً أنها فارقت الحياة.
وتسارع العائلة من مدينة كرمانشاه، ذات الغالبية الكردية غرب إيران، إلى طهران، قاطعة نحو 500 كيلومتر، لتجد أن جثمان ابنتها نُقل إلى موقع يُستخدم مشرحة جماعية.
وتروي هالي نوري أن عناصر الأمن منعوا الأم من رؤية ابنتها، قبل أن يسمحوا لها، بعد توسّل وإلحاح، بإلقاء نظرة أخيرة «لمنع الفوضى».
توثّق مشهداً صادماً
توثّق الشهادة مشهداً مروعاً داخل المشرحة، حيث تبحث الأم بين مئات الجثث الملفوفة بأكياس سوداء، وتقول نوري: "كانت الجثث مكدسة فوق بعضها، ورائحة الدم تملأ المكان"، وعندما تعرّفت الأم على وجه ابنتها، احتضنتها ورفضت التخلي عنها، رغم محاولات عناصر الأمن الفصل بينهما.
تنقل العائلة الجثمان خلسة إلى السيارة وتفرّ به عائدة إلى كرمانشاه. وتصف نوري الحالة النفسية للأم خلال الرحلة الطويلة، قائلة إن "دم روبينا كان في كل مكان"، وإن الأم رفضت تغيير ملابسها "لأنها أرادت الاحتفاظ بدم ابنتها عليها".
وترفض السلطات الإيرانية منح العائلة الإذن بدفن روبينا في كرمانشاه، خشية تحوّل الجنازة إلى احتجاج. وتحاول الأسرة دفنها في بلدات مجاورة من دون جدوى، قبل أن تضطر إلى حفر قبر صغير بنفسها في مكان غير معلوم، فقط لتجنب انتزاع الجثمان مرة أخرى.
محاصرة الأسرة أمنياً
تفرض الأجهزة الأمنية طوقاً مشدداً على العائلة، وتمنع إقامة مجالس عزاء في مساجد كرمانشاه ومريوان، مسقط رأس العائلة. وتشير نوري إلى وجود عناصر أمن أمام منازل الأقارب، ومنعهم الناس من الدخول، مع تهديدات بإطلاق النار.
وتعيش هالي نوري في قلق دائم على عائلتها، في ظل قطع الإنترنت والاتصالات الدولية، خصوصاً في المناطق الكردية، مع مخاوف متزايدة على صحة والدتها التي تعاني من أمراض قلبية وتعرضت لجلطتين دماغيتين.
وتختتم نوري شهادتها بتأكيد رفض الصمت: "قررت أن أكون صوت روبينا وصوت آلاف الشباب الذين فقدناهم".
وتضيف بأسى أن أحلام هؤلاء "انتهت في أكياس سوداء داخل مشارح طهران"، في إشارة إلى مشرحة كهريزك التي امتلأت بالجثث عقب التظاهرات، في صورة تختزل كلفة الاحتجاج في إيران اليوم.










