أمام تدهور حقوق الإنسان في إيران.. المجتمع المدني يدق ناقوس الخطر بالأمم المتحدة

أمام تدهور حقوق الإنسان في إيران.. المجتمع المدني يدق ناقوس الخطر بالأمم المتحدة
التنكيل بأحد المتظاهرين في إيران

تتجه أنظار المجتمع الدولي مجددا نحو إيران مع تصاعد التحذيرات الحقوقية من موجة قمع عنيفة تطول المحتجين المطالبين بالعيش الكريم والكرامة الإنسانية، فقد وجّهت منظمات مجتمع مدني ومدافعون عن حقوق المرأة وحقوق الإنسان رسالة عاجلة إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران ماي ساتو، دعوا فيها إلى تحرك فوري وحاسم لوقف عمليات القتل والقمع التي يتعرض لها المحتجون في مختلف أنحاء البلاد، وعكست الرسالة قلقا عميقا من تدهور غير مسبوق في أوضاع حقوق الإنسان، في ظل أزمة اقتصادية خانقة دفعت آلاف الإيرانيين إلى الشارع.

ووفقًا لما أوردته وكالة أنباء المرأة الثلاثاء، أكدت المنظمات الموقعة أن إيران تشهد منذ أسابيع موجة احتجاجات شعبية واسعة اندلعت على خلفية الانهيار الاقتصادي الحاد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ورغم الطابع السلمي للاحتجاجات واتساع رقعتها لتشمل مدنا عدة، واجهتها السلطات بحملة قمع وصفت بالعنيفة والمنظمة، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى واعتقالات جماعية، الأمر الذي أثار قلقا متزايدا لدى الأوساط الحقوقية الدولية.

احتجاجات غير مسبوقة منذ 2009

تشير الرسالة إلى أن هذه الموجة من الاحتجاجات تعد الأوسع منذ انتخابات عام 2009، سواء من حيث الامتداد الجغرافي أو حجم المشاركة الشعبية. فقد بدأت التحركات نهاية شهر ديسمبر الماضي بمسيرات وإضرابات في السوق الكبير بالعاصمة طهران والمراكز التجارية المحيطة به، قبل أن تمتد بسرعة إلى مدن أخرى في مختلف الأقاليم، وجاء ذلك في أعقاب التدهور الحاد للأوضاع الاقتصادية وارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية والانخفاض الكبير في قيمة العملة الوطنية، ما جعل غالبية المواطنين عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وأكد الموقعون أن المحتجين خرجوا رفضا لواقع وصفوه باللاإنساني، في ظل هيمنة نخبة اقتصادية ضيقة على مقدرات البلاد وتداعيات العقوبات الدولية، إلا أن رد السلطات كان قاسيا ومميتاً، وأفادت تقارير ميدانية وحقوقية بسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف متظاهرين عزل، إلى جانب تنفيذ اعتقالات واسعة واختفاء قسري لعدد من المشاركين في الاحتجاجات.

قتل وإخفاء وتعتيم إعلامي

أعربت المنظمات الحقوقية عن بالغ قلقها إزاء ما وصفته بممارسات ممنهجة لإخفاء حجم الانتهاكات، فقد تحدثت الرسالة عن تقارير موثوقة تشير إلى اختطاف جرحى من داخل المستشفيات، وسرقة جثث القتلى، وإخفاء الأعداد الحقيقية للضحايا، إضافة إلى اكتظاظ المشرحات بالجثث، واعتبرت أن هذه الممارسات تمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وترقى إلى جرائم تستوجب المساءلة الدولية.

وفي موازاة ذلك، اتهمت الرسالة السلطات بفرض تعتيم معلوماتي واسع النطاق من خلال قطع الإنترنت والاتصالات الهاتفية بشكل شبه كامل في فترات مختلفة، ما حرم المواطنين من الوصول إلى المعلومات، ومنع المجتمع الدولي من متابعة ما يجري على الأرض، وأكد الموقعون أن هذا العزل المتعمد يهدف إلى تسهيل ارتكاب الانتهاكات بعيدا عن أعين الرقابة الدولية.

تحذير من الإفلات من العقاب

حذر المدافعون عن حقوق الإنسان من أن استمرار صمت المجتمع الدولي أو الاكتفاء ببيانات القلق سيؤدي إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وأكدوا أن تجاهل هذا المستوى من العنف المنظم ضد شعب أعزل يعاني من الفقر المدقع والبؤس الاقتصادي لن يؤدي فقط إلى استمرار عمليات القتل، بل سيرسل رسالة خطيرة مفادها أن مرتكبي هذه الجرائم محميون من المحاسبة.

وشددت الرسالة على أن ما يجري في إيران ليس شأنا داخليا، بل قضية إنسانية تتطلب استجابة دولية عاجلة، خاصة في ظل تقاطع الأزمة الاقتصادية مع القمع السياسي وانسداد آفاق الإصلاح.

مطالب عاجلة للأمم المتحدة

دعت المنظمات الموقعة المقررة الخاصة للأمم المتحدة ماي ساتو إلى اتخاذ خطوات عملية وفورية، في مقدمتها التعاون الوثيق مع بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران، وطلب زيارة رسمية للبلاد للتحقيق في عمليات قتل المتظاهرين والاختفاء القسري والاعتقالات التعسفية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة.

كما طالبت باستخدام جميع الآليات المتاحة داخل منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك الدعوة إلى عقد دورة استثنائية لمجلس حقوق الإنسان، بما يتيح تقديم تقارير فورية من قبل المقررة الخاصة وبعثة تقصي الحقائق، بهدف ممارسة ضغط فعال على السلطات الإيرانية لوقف القتل وإطلاق سراح المعتقلين.

وأكدت الرسالة ضرورة تمكين المؤسسات المستقلة من الوصول إلى السجون والمستشفيات، واستعادة حق المواطنين في حرية الاتصال والوصول إلى المعلومات، وضمان توثيق دقيق ومستقل للجرائم تمهيدا لمحاسبة المسؤولين عنها على المستويين الوطني والدولي.

الخبز والكرامة والحرية

في ختام الرسالة، شدد الموقعون على أن الشعب الإيراني لا يجوز أن يواجه الإعدام والقمع لمجرد مطالبته بالخبز والكرامة والحرية ومستقبل إنساني، وأكدوا أن المسؤولية الأخلاقية والقانونية للمجتمع الدولي تفرض التحرك الفوري لمنع مزيد من الضحايا، قبل أن تتفاقم المأساة الإنسانية بشكل يصعب احتواؤه.

تشهد إيران منذ سنوات تدهورا متواصلا في أوضاع حقوق الإنسان، تفاقم مع الأزمات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية، وقد اندلعت موجات احتجاج متكررة منذ عام 2017، إلا أن الاحتجاجات الأخيرة تعد الأوسع منذ عام 2009، وتواجه السلطات هذه التحركات بسياسات أمنية صارمة تشمل استخدام القوة المفرطة والاعتقالات الواسعة وفرض قيود مشددة على حرية التعبير والإعلام، وفي عام 2022 أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة مستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران، للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة ومساءلة المسؤولين عنها، وتؤكد المنظمات الحقوقية أن فعالية هذه الآليات الدولية تظل مرهونة بوجود إرادة سياسية دولية حقيقية تضع حماية المدنيين وحقوق الإنسان في صدارة الأولويات.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية