قوائم أسماء العاملين.. "أطباء بلا حدود" توافق على الشروط الإسرائيلية للبقاء في غزة

قوائم أسماء العاملين.. "أطباء بلا حدود" توافق على الشروط الإسرائيلية للبقاء في غزة
طاقم طبي تابع لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود موافقتها على شرط السلطات الإسرائيلية الخاص بتقديم قائمة بأسماء العاملين الفلسطينيين لديها من أجل الاستمرار في عملها داخل قطاع غزة، في خطوة وصفتها المنظمة بأنها استثنائية وفرضتها ظروف قاهرة تهدد بتعليق عملياتها الإنسانية.

القرار جاء في سياق ضغوط متزايدة على المنظمات الدولية العاملة في القطاع، وسط مخاوف عميقة تتعلق بسلامة الطواقم الطبية واستمرارية تقديم الرعاية للمدنيين بحسب ما أوردته وكالة قدس برس الأحد.

وبحسب بيان رسمي صادر عن منظمة أطباء بلا حدود ونقلته وسائل إعلام دولية، فإن المنظمة أبلغت السلطات الإسرائيلية استعدادها لمشاركة قائمة محددة بأسماء الموظفين الفلسطينيين والدوليين وفق معايير واضحة تضع سلامة العاملين في صدارة الأولويات، وأكدت أن هذا الإجراء جاء لتفادي تعليق عملياتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بدءا من 1 مارس القادم.

سلامة الموظفين في قلب القرار

أوضحت المنظمة أن موافقتها المشروطة لا تمثل تغييرا في مبادئها الأساسية، بل محاولة لحماية استمرارية العمل الطبي في بيئة شديدة الخطورة، وأكدت أن أي مشاركة للمعلومات ستتم بعد الحصول على موافقة صريحة من الأشخاص المعنيين، وبعد نقاشات معمقة مع زملائها الفلسطينيين، بما يضمن احترام إرادتهم وتقليل المخاطر المحتملة عليهم.

وأشارت أطباء بلا حدود إلى أنها رفضت في السابق تسليم أي قوائم أسماء بسبب مخاوف مشروعة من استخدام هذه المعلومات في سياق بالغ الخطورة، فالقطاع شهد منذ أكتوبر 2023 مقتل 1,700 من العاملين في المجال الطبي الإنساني، بينهم 15 من موظفي المنظمة نفسها، وهو ما جعل أي طلب يتعلق بالبيانات الشخصية للعاملين مسألة حياة أو موت.

أكدت المنظمة أنها أبلغت السلطات الإسرائيلية بموقفها عبر رسالة رسمية كان هدفها الوحيد ضمان استمرار تقديم الرعاية الطبية الضرورية للمدنيين في قطاع غزة، وشددت على أن قرارها لا يعني القبول بمبدأ تسليم البيانات الشخصية، بل يأتي في إطار موازنة قاسية بين حماية الطواقم ومنع توقف الخدمات الصحية عن مئات الآلاف من المحتاجين.

ضغوط متصاعدة 

يأتي هذا التطور في ظل سياسة إسرائيلية أُعلنت نهاية 2025 تقضي بتعليق عمليات عدد من المنظمات الإنسانية العاملة في غزة، من بينها أطباء بلا حدود، بحجة عدم الامتثال لقواعد جديدة للتحقق من عمل المنظمات الدولية في القطاع، وهذه القواعد أثارت جدلا واسعا في الأوساط الإنسانية، إذ اعتبرتها منظمات دولية عائقا إضافيا أمام العمل الإغاثي في منطقة تعاني أصلا من حصار ونقص حاد في الخدمات الأساسية.

واتهمت وزارة شؤون المغتربين الإسرائيلية منظمة أطباء بلا حدود بعدم توضيح أدوار بعض العاملين لديها، وادعت وجود تعاون مزعوم بين بعض الموظفين وحركة حماس أو جماعات مسلحة أخرى، ونفت المنظمة من جهتها هذه الاتهامات بشكل غير مباشر عبر تأكيدها المتكرر على استقلاليتها وحيادها، وعلى التزامها الصارم بالمبادئ الإنسانية التي تمنعها من الانحياز لأي طرف سياسي أو عسكري.

يعكس قرار أطباء بلا حدود حجم المعضلة التي تواجه المنظمات الإنسانية في مناطق النزاع، حيث تتحول الإجراءات الإدارية إلى أدوات ضغط قد تهدد بوقف المساعدات عن المدنيين، ففي غزة، حيث النظام الصحي على حافة الانهيار، يعني تعليق عمل منظمة طبية دولية فقدان آلاف المرضى لفرص العلاج والجراحة والرعاية الطارئة.

أصوات داخلية وقلق مشروع

داخل أروقة المنظمة، لم يكن القرار سهلا، فقد أكدت أطباء بلا حدود أن النقاشات مع موظفيها الفلسطينيين كانت طويلة ومعقدة، وأن القلق على سلامتهم كان حاضرا في كل مرحلة، فالعاملون المحليون هم الأكثر عرضة للمخاطر، وهم في الوقت نفسه العمود الفقري للعمل الإنساني اليومي في المستشفيات والعيادات الميدانية.

تحاول المنظمة من خلال هذا القرار السير على حبل مشدود بين الالتزام بمبادئ السرية وحماية البيانات من جهة، والواقع الميداني القاسي من جهة أخرى، فهي تدرك أن أي سابقة في تسليم قوائم الأسماء قد تفتح الباب لمطالب مماثلة في أماكن نزاع أخرى، لكنها ترى في الوقت نفسه أن توقف العمل في غزة سيكون كارثة إنسانية لا يمكن القبول بها.

انعكاسات القرار على السكان

بالنسبة لسكان غزة، يمثل استمرار عمل أطباء بلا حدود شريان حياة حقيقيا، فالمنظمة تدير مرافق طبية وتقدم خدمات جراحية وعلاجية في ظروف استثنائية، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات وانهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية الصحية، وأي توقف في هذه الخدمات يعني ارتفاعا فوريا في معدلات الوفيات والمعاناة.

تعمل منظمة أطباء بلا حدود في قطاع غزة منذ سنوات طويلة، وتعد من أبرز المنظمات الطبية الدولية التي تقدم خدمات الطوارئ والجراحة والرعاية الأولية في مناطق النزاع، ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة في أكتوبر 2023، واجه القطاع الصحي في غزة دمارا واسعا شمل مستشفيات ومراكز صحية ونقصا حادا في الكوادر والمعدات، وفي هذا السياق، شددت إسرائيل إجراءاتها على عمل المنظمات الدولية، مطالبة بمزيد من التدقيق والتحقق، بينما حذرت منظمات إنسانية من أن هذه السياسات تهدد مبدأ الحياد الإنساني وتعرض العاملين للخطر.

ويعكس قرار أطباء بلا حدود الأخير تعقيد المشهد الإنساني في غزة، حيث تضطر المنظمات أحيانا لاتخاذ قرارات مؤلمة للحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على إنقاذ الأرواح في واحدة من أكثر مناطق العالم خطورة على العاملين في المجال الإنساني.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد أرسلت إشعارات رسمية إلى عشرات المنظمات الإنسانية والإغاثية الدولية، منها منظمة أطباء بلا حدود، لإبلاغها بسحب تراخيص عملها ابتداءً من 01 يناير 2026، مع إلزامها بإنهاء جميع أنشطتها بشكل كامل بحلول الأول من مارس من العام نفسه، وتأتي هذه الخطوة بعد فترات تمديد متكررة منحتها السلطات لهذه المنظمات لاستكمال متطلبات التسجيل.

وتدعي الجهات الإسرائيلية أن بعض المنظمات امتنعت عن تلبية مطلب مركزي يتمثل في تقديم قوائم كاملة بأسماء موظفيها الفلسطينيين، بحجة رفضها الخضوع لما تسميه إسرائيل فحوصات أمنية، وهو ما اعتبرته تل أبيب إخلالاً جوهرياً بشروط العمل داخل الأراضي التي تسيطر عليها.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية