من اللجوء والنزوح.. 1.4 مليون لاجئ يعودون إلى سوريا بين الأمل والتحديات الإنسانية

من اللجوء والنزوح.. 1.4 مليون لاجئ يعودون إلى سوريا بين الأمل والتحديات الإنسانية
عودة النازحين السوريين

بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل في المشهد السوري مع تسجيل موجات عودة غير مسبوقة للاجئين والنازحين، في تطور يعكس تحولات سياسية وأمنية عميقة أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، فبعد أكثر من عقد من الحرب والتشريد، يعود مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى مدنهم وقراهم مدفوعين بتراجع أسباب الخوف والاضطرار، وبحلم استعادة الحياة ولم شمل العائلات التي مزقتها سنوات النزاع.

ووفقاً لما نقلته وكالة أنباء الأناضول الثلاثاء، أكدت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا سيلين شميت أن نحو 1.4 مليون لاجئ سوري عادوا إلى البلاد، إضافة إلى ما يقرب من مليوني نازح داخلي رجعوا إلى مناطقهم الأصلية منذ التغير السياسي الكبير الذي شهدته سوريا في 8 ديسمبر 2024، وهو التاريخ الذي أنهى أكثر من 53 عاماً من حكم عائلة الأسد.

عودة بدافع الأمل والاستقرار

تشير شميت إلى أن الرسالة البارزة التي تسمعها المفوضية من اللاجئين السوريين العائدين تتمثل في رغبتهم القوية في العودة ولم الشمل مع عائلاتهم، مؤكدة أن كثيراً منهم يعدون الأسباب التي أجبرتهم على الفرار لم تعد قائمة، وتوضح أن هذه القناعة تشكل محركاً إنسانياً عميقاً يعكس شوقاً طويلاً للاستقرار والانتماء بعد سنوات من الغربة القسرية داخل البلاد وخارجها.

وتؤكد المفوضية أن قرار العودة يظل طوعياً، وأن دورها يتركز في دعم من يختارون هذه الخطوة، ضمن الإمكانيات المتاحة والتمويل المحدود، مع إعطاء الأولوية لاحتياجات أساسية مثل النقل الآمن، وتقديم منح نقدية أولية تساعد العائدين على بدء حياة جديدة في بيئة ما تزال تعاني من آثار الدمار.

المأوى والعمل في صدارة الاحتياجات

بحسب مفوضية اللاجئين، يمثل توفير المأوى اللائق وتأمين مصادر دخل مستدامة التحدي الأكبر أمام العائدين، وتلفت شميت إلى أن الكثير من السوريين يختصرون معاناتهم بجملة واحدة مفادها أن توفر فرص العمل كفيل بحل معظم المشكلات الأخرى، في إشارة إلى العلاقة الوثيقة بين الاستقرار الاقتصادي وإعادة الاندماج الاجتماعي.

وتعمل المفوضية من خلال شبكة تضم نحو 79 مركزاً مجتمعياً موزعاً في مختلف أنحاء سوريا، تقدم خدمات حماية متنوعة تشمل المساعدة في استصدار الوثائق المدنية المفقودة أو التالفة، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي، في ظل ما خلفته الحرب من صدمات عميقة لدى ملايين الأشخاص، خصوصاً النساء والأطفال.

في سياق متصل، كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد صرح في مقابلة سابقة أن معظم السوريين المقيمين خارج البلاد قد يعودون خلال عامين، مع تحسن الأوضاع الأمنية وبدء مسار إعادة الإعمار، وتعد هذه التصريحات انعكاساً لتفاؤل رسمي حذر، يقابله إدراك بأن عودة الملايين تحتاج إلى استقرار طويل الأمد، وضمانات قانونية وخدمية واقتصادية.

عودة جزئية بعد التصعيد

على صعيد آخر، كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نحو 80 بالمئة من قرابة 100 ألف شخص نزحوا من شمال شرقي سوريا إثر التصعيد العسكري مطلع يناير الجاري، عادوا بالفعل إلى منازلهم، وأوضحت شميت أن جزءاً من هؤلاء لا يزال في المخيمات، حيث تعمل المفوضية على توفير الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الخيام والمأوى الآمن.

وشهدت مناطق شمالي وشمال شرقي البلاد عمليات عسكرية نفذها الجيش السوري، تمكن خلالها من استعادة مساحات واسعة كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بعد اتهامها بخرق الاتفاقات الموقعة مع الحكومة قبل عشرة أشهر، وأسهمت هذه التطورات في إعادة رسم خريطة السيطرة، لكنها تركت أيضاً أوضاعاً إنسانية صعبة في مناطق مثل عين العرب، نتيجة تضرر البنية التحتية واستمرار التوترات المحلية.

مخيم الهول وإعادة الاندماج

من الملفات الإنسانية الأكثر تعقيداً، يبرز مخيم الهول الواقع في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، وتقول شميت إن المفوضية زارت المخيم مؤخراً، وإن قوات الحكومة السورية الموجودة هناك أبدت دعماً واضحاً لعمل المنظمات الإنسانية. وأكدت أن المفوضية، بالتعاون مع الأمم المتحدة وشركاء آخرين ومنظمات غير حكومية، تعمل على تنظيم عودة سكان المخيم إلى مناطقهم الأصلية، ومساعدتهم على إعادة الاندماج في مجتمعاتهم.

ويعد مخيم الهول من أكثر المخيمات حساسية، إذ أنشئ أساساً عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم توسع لاحقاً ليضم عشرات الآلاف من النازحين واللاجئين، واليوم، يمثل تفكيك هذا المخيم وإعادة سكانه تحدياً أمنياً واجتماعياً وإنسانياً، يتطلب تنسيقاً دقيقاً وخططاً طويلة الأمد.

تحول تاريخي

في 8 ديسمبر 2024 شهدت سوريا حدثاً مفصلياً بسقوط نظام بشار الأسد الذي حكم البلاد بقبضة أمنية منذ عام 2000، امتداداً لحكم والده حافظ الأسد الذي بدأ عام 1971، وخلال هذه العقود، خصوصاً منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تعرض ملايين السوريين للنزوح واللجوء، وسط دمار واسع طال المدن والبنية التحتية والاقتصاد.

ويمثل هذا التحول السياسي نقطة أمل لكثير من السوريين، لكنه يفتح في الوقت ذاته باباً واسعاً للتحديات، منها إعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان الأمن، ورفع العقوبات، وإعادة الإعمار، وهي عوامل حاسمة لتثبيت عودة اللاجئين ومنع تكرار موجات النزوح.

تعد أزمة اللجوء السوري واحدة من كبرى أزمات النزوح في العالم المعاصر، إذ تجاوز عدد اللاجئين السوريين خارج البلاد 6 ملايين شخص، إضافة إلى أكثر من 6 ملايين نازح داخلي خلال سنوات الحرب، واستضافت دول الجوار، مثل تركيا ولبنان والأردن، النسبة الكبرى من هؤلاء، ما شكل ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً هائلاً، ومع سقوط النظام السابق وتراجع حدة الصراع في مناطق واسعة، بدأت تظهر بوادر عودة تدريجية، غير أن نجاح هذه العودة يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة السورية والمجتمع الدولي على توفير الأمن والخدمات وفرص العيش الكريم، وضمان عدم تعرض العائدين لأي انتهاكات، في مسار طويل نحو التعافي الوطني وإغلاق أحد أكثر فصول المأساة السورية إيلاماً.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية