أطفال ونساء بين الأسلاك الشائكة.. مخيم الهول يدخل مرحلة جديدة من الغموض
أطفال ونساء بين الأسلاك الشائكة.. مخيم الهول يدخل مرحلة جديدة من الغموض
يقف مخيم الهول في شمال شرق سوريا عند مفترق بالغ الحساسية بعدما انسحبت منه قوات سوريا الديمقراطية وسيطرت عليه القوات الحكومية السورية، وخلف الأسلاك الشائكة تتجسد حالة من الترقب والقلق بين آلاف المدنيين معظمهم من النساء والأطفال المرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بتنظيم داعش، وجوه شاحبة وأعين مترقبة وأطفال لا يدركون حجم التحولات السياسية والأمنية التي ستحدد مستقبلهم القريب في واحد من أكثر ملفات الصراع السوري تعقيدا.
ووفق ما نقلته وكالة رويترز، الخميس، فإن مشاهد التوتر بدت واضحة منذ الساعات الأولى للانسحاب حيث شوهدت نساء منتقبات وأطفال يتجمعون قرب بوابات المخيم يراقبون بحذر انتشار القوات الحكومية السورية، وأكدت الوكالة أن المخيم الذي يضم خياما وبيوتا جاهزة قديمة تحول إلى مسرح مفتوح لمخاوف إنسانية تتعلق بالمصير القانوني والمعيشي لآلاف المحتجزين.
مخيم وذاكرة حرب
مخيم الهول لم يكن مجرد مكان إيواء بل تَحوَّل خلال السنوات الماضية إلى رمز لتداعيات الحرب على تنظيم داعش، فقد جمع عشرات الآلاف من المدنيين الذين فروا من آخر معاقل التنظيم بعد خسارته لمساحات واسعة من الأراضي خلال العقد الماضي.
ومع انهيار سيطرة التنظيم كانت قوات سوريا الديمقراطية قد نقلت هؤلاء المدنيين إلى مخيمي الهول وروج في إطار ترتيبات أمنية مؤقتة تحولت بمرور الوقت إلى احتجاز طويل الأمد.
بحسب بيانات عام 2024 كان مخيم الهول يضم نحو 44000 شخص غالبيتهم من النساء والأطفال، معظمهم من السوريين والعراقيين إضافة إلى وجود رعايا غربيين يقيمون في ملحق منفصل داخل المخيم، وهذا التركيب الديموغرافي جعل المخيم بؤرة إنسانية وأمنية في آن واحد حيث تتداخل احتياجات الطفولة والرعاية الصحية مع مخاوف التطرف وإعادة التشكل الفكري.
إجراءات أولية تحت السيطرة الجديدة
مع دخول القوات الحكومية السورية إلى المخيم أعلنت الجهات الرسمية بدء إجراءات إسعافية وتقييم شامل للاحتياجات، وأفاد مسؤول الخدمات الطبية في وزارة الداخلية السورية أن الفرق الطبية باشرت تقديم الإسعافات الأولية للحالات الأكثر تضررا إلى جانب التنسيق مع وزارة الصحة وإدارة السجون للاطلاع على الواقع الصحي والخدمي وتوفير الحد الأدنى من الرعاية الضرورية.
سيطرة الحكومة السورية على مخيم الهول جاءت ضمن تقدم أوسع شمل محافظات الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، وتعد هذه المناطق من الأكثر أهمية استراتيجيا في سوريا نظرا لاحتوائها على أكبر حقول النفط وسد كهرومائي رئيسي إلى جانب مساحات زراعية واسعة وسجون تضم عناصر من تنظيم داعش وكانت قوات سوريا الديمقراطية قد أعلنت في وقت سابق أنها تشرف على احتجاز نحو 10000 مقاتل من التنظيم في تلك السجون.
انسحاب تحت الضغط
قوات سوريا الديمقراطية أعلنت يوم الثلاثاء الماضي انسحابها من مخيم الهول وإعادة تموضعها في محيط مدن مجاورة، وأوضحت أن هذا القرار جاء مع اقتراب القوات الحكومية السورية من المنطقة، وبحسب مراسلين صحفيين شوهد في اليوم التالي عشرات الأطفال والنساء المتشحات بالسواد وهم يتدافعون أمام سور المخيم بينما كانت القوات الحكومية تقف على مسافة تراقب المشهد دون احتكاك مباشر.
في موازاة هذه التطورات أعلنت السلطات السورية فرار نحو 120 عنصرا من تنظيم داعش من سجن كان خاضعا لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في مدينة الشدادي شرق البلاد، واتهمت دمشق القوات الكردية بإطلاق سراحهم مؤكدة أنها أعادت القبض على 81 منهم وأن عمليات التفتيش والملاحقة ما زالت مستمرة، وألقى هذا التطور بظلال ثقيلة على الوضع في مخيم الهول وأعاد المخاوف من عودة نشاط خلايا التنظيم.
حياة خلف الأسلاك
خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية كان مخيم الهول يعمل كمكان احتجاز جماعي مفتوح تحيط به الأسلاك الشائكة ونقاط الحراسة مع قيود صارمة على الحركة وغياب أفق قانوني واضح للمحتجزين، واليوم لا يبدو أن هذا الواقع تغير كثيرا رغم تبدل الجهة المسيطرة.
من داخل المخيم يعبر السكان عن خليط من الفرح الحذر والقلق العميق، أحد النزلاء القادمين من دير الزور أوضح أن دخول الجيش السوري في يوم 20 يونيو تزامن مع خروج قوات سوريا الديمقراطية وأن الفوضى سادت لفترة قصيرة، وأشار إلى أن السكان يتطلعون إلى مغادرة المخيم والعودة إلى مناطقهم الأصلية مؤكدا أن الشعور بالحرية لن يكتمل ما لم تتحقق العودة إلى الديار ولم شمل العائلات.
أطفال بلا مستقبل واضح
الأطفال الذين يلعبون قرب الأسلاك الشائكة يعكسون الوجه الأكثر قسوة للأزمة، فهم نشؤوا في بيئة مغلقة محملة بإرث الصراع والتطرف دون فرص تعليم منتظمة أو حياة طبيعية، ومع كل تغيير سياسي أو أمني يصبح مستقبلهم أكثر غموضا وسط تساؤلات عن مصيرهم القانوني والاجتماعي.
يعد مخيم الهول أحد أكبر مخيمات الاحتجاز في سوريا وقد أنشئ في الأساس لإيواء نازحين عراقيين قبل أن يتحول بعد هزيمة تنظيم داعش إلى مركز احتجاز لعائلات مرتبطة بالتنظيم.
وعلى مدى سنوات طالبت منظمات دولية بإيجاد حلول قانونية وإنسانية مستدامة لسكانه تشمل إعادة الرعايا الأجانب إلى بلدانهم وتأهيل الأطفال نفسيا واجتماعيا، ومع انتقال السيطرة إلى الحكومة السورية يبرز تحد جديد يتمثل في الموازنة بين المتطلبات الأمنية وحقوق الإنسان وسط واقع إقليمي ودولي معقد يجعل مصير عشرات الآلاف معلقا بين السياسة والإنسانية.










