الحياة عند حد البقاء.. معاناة الكوبيين تتفاقم في ظل أزمة طاقة واقتصاد خانقة
الحياة عند حد البقاء.. معاناة الكوبيين تتفاقم في ظل أزمة طاقة واقتصاد خانقة
تعيش كوبا واحدة من أكثر مراحلها قسوة منذ عقود، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع الانقطاعات الطويلة للكهرباء وارتفاع أسعار الغذاء والوقود والنقل، لتشكل واقعاً يومياً يثقل كاهل المواطنين ويضعهم أمام معركة مفتوحة من أجل البقاء، ففي شوارع هافانا وأحيائها، لم تعد المعاناة استثناءً، بل أصبحت القاعدة التي تحكم تفاصيل الحياة من تأمين الطعام إلى القدرة على التنقل والعمل.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز السبت استناداً لمقابلات مع أكثر من 30 من سكان العاصمة هافانا، من بائعين جائلين وعاملين في القطاع الخاص وسائقي سيارات أجرة وموظفي دولة، تتكشف صورة لمدينة وصلت إلى أقصى درجات الاحتمال، وشهادات هؤلاء السكان تجمع على أن ندرة السلع والخدمات بلغت مستويات غير مسبوقة، خصوصاً مع تناقص إمدادات الوقود وارتفاع أسعارها، ما انعكس على جميع مناحي الحياة دون استثناء.
عاصمة لم تعد محصنة
طالما كانت المناطق الريفية في كوبا أكثر تأثراً بأزمات الطاقة والبنية التحتية، إذ اعتاد سكانها منذ سنوات على قضاء ساعات طويلة دون كهرباء أو إنترنت أو مياه بسبب تقادم نظام توليد الطاقة في الجزيرة، غير أن العاصمة الساحلية التي تضم القلب السياسي والاقتصادي للبلاد كانت حتى وقت قريب أقل تضرراً نسبياً، واليوم لم تعد هافانا بمنأى عن الأزمة، بعدما امتد نقص الوقود إليها إثر توقف شحنات النفط من فنزويلا ثم من المكسيك، ما زاد هشاشة الوضع في مدينة تعج بسيارات خمسينيات القرن الماضي ومبانٍ استعمارية متهالكة.
الوقود يتحول إلى أزمة شاملة
أدى نقص الوقود إلى تفاقم الأوضاع في كوبا بسرعة، فقدْ فقدَ البيزو الكوبي أكثر من 10 بالمئة من قيمته مقابل الدولار خلال ثلاثة أسابيع فقط، ما تسبب في موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وأصبح شراء البنزين تحدياً يومياً، إذ امتدت الطوابير أمام محطات الوقود القليلة التي لا تزال تعمل. ومنذ منتصف ديسمبر، ومع عرقلة الولايات المتحدة لشحنات النفط الفنزويلية، باتت كميات الوقود تباع تقريباً حصراً بالدولار، وهي عملة لا يمتلكها سوى عدد محدود من الكوبيين.
يشكو السكان من أن نظام التزود بالوقود الذي كان يسمح بالتسجيل والدفع بالبيزو لم يعد قائماً، ما جعل امتلاك سيارة عبئاً إضافياً بدلاً من كونه وسيلة تسهيل للحياة اليومية، هذا الواقع انعكس مباشرة على قطاع النقل، حيث توقفت بعض الحافلات وسيارات الأجرة عن العمل، واضطر من استمروا إلى رفع الأسعار بشكل كبير.
النقل والكهرباء عبء إضافي على الفقراء
أصبحت الحركة داخل المدن تحدياً يومياً، خصوصاً للعمال والطلاب وكبار السن، ومع انخفاض عدد الحافلات لم يعد أمام كثيرين خيار سوى اللجوء إلى وسائل النقل الخاصة مرتفعة الكلفة، أو البقاء في منازلهم، حتى وسائل النقل الكهربائية التي روج لها سابقاً بوصفها بديلاً عملياً في ظل نقص الوقود، لم تصمد أمام انقطاعات الكهرباء التي باتت تمتد من 8 إلى 12 ساعة يومياً أو أكثر، ما جعل شحن هذه المركبات مهمة شبه مستحيلة.
لم تعد أزمة الكهرباء تقتصر على الظلام وتعطل الأجهزة المنزلية، بل امتدت آثارها إلى السلامة العامة، فتعطل إشارات المرور أدى إلى وقوع حوادث سير، في حين تسبب غياب الكهرباء والمياه في صعوبات صحية ومعيشية، خصوصاً لكبار السن والأطفال، ومع تراجع قدرة الأسر على تخزين الطعام أو طهيه، تحولت الحياة اليومية إلى صراع لتأمين الضروريات فقط.
الضغط الخارجي يزيد الخناق
تتزامن هذه المعاناة مع تصعيد سياسي واقتصادي أمريكي، حيث هدد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على الواردات من الدول التي تزود كوبا بالنفط، في خطوة تزيد الضغط على الجزيرة، وجاء هذا التهديد في أعقاب الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف الرئيسي لهافانا، في أوائل يناير، ما زاد من عزلة كوبا ومخاوفها من انقطاع مزيد من الإمدادات الحيوية.
وفي رد فعل رسمي، أعلن وزير الخارجية الكوبي برونو رودريجيز حالة طوارئ دولية، واصفاً التهديد الأمريكي بأنه غير عادي واستثنائي، غير أن الحكومة لم تقدم تفاصيل واضحة حول كيفية التعامل مع التداعيات المتزايدة للأزمة الإنسانية، ما زاد من شعور المواطنين بالقلق وعدم اليقين.
غياب الاحتجاج رغم عمق الأزمة
في دول أخرى قد تؤدي مثل هذه الظروف إلى احتجاجات واسعة في الشوارع، لكن في كوبا، حيث قوبلت المعارضة تاريخاً بالقمع، لا تظهر حتى الآن بوادر احتجاج جماهيري واسع، ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول حدود قدرة المجتمع على التحمل، وإلى أي مدى يمكن للكوبيين الاستمرار في الصمود أمام تدهور متواصل في مستويات المعيشة.
يعبر كثير من السكان عن شعور بالعجز واليأس، دون أن يتحول ذلك إلى مطالب سياسية صريحة، فبالنسبة لهم، باتت الأولوية للبقاء لا أكثر. كبار السن يشكون من عدم قدرتهم على شراء الطعام، والشباب يرون مستقبلهم معلقاً في فراغ اقتصادي، في حين تعيش العائلات على حافة الانهيار مع كل ارتفاع جديد في الأسعار أو انقطاع أطول للكهرباء.
بين واشنطن وهافانا
لا يعلق كثير من الكوبيين آمالاً على تحسن قريب، سواء من جانب حكومتهم أو من جانب الولايات المتحدة، فالتجربة الطويلة مع العقوبات والضغوط الخارجية، إلى جانب الإخفاقات الداخلية، جعلت الثقة ضعيفة في أي تغيير جذري. ويشعر كثيرون بأنهم عالقون بين سياسات دولية لا يملكون التأثير فيها، وأوضاع داخلية لا تقدم حلولاً كافية.
تعاني كوبا منذ عقود من حصار اقتصادي أمريكي أثر بعمق في اقتصادها وقدرتها على استيراد الوقود والمواد الأساسية، ورغم اعتمادها لسنوات على دعم حلفاء مثل فنزويلا، فإن تراجع هذا الدعم بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية الإقليمية كشف هشاشة البنية التحتية للطاقة والاقتصاد في الجزيرة، ومع تقادم محطات توليد الكهرباء وضعف الاستثمارات، أصبحت الانقطاعات الطويلة للتيار واقعاً دائماً. اليوم، ومع تصاعد الضغوط الخارجية وغياب حلول داخلية فعالة يجد المواطن الكوبي نفسه في مواجهة أزمة معيشية وإنسانية معقدة، تختزلها معادلة قاسية عنوانها الصمود من أجل البقاء.











